هل طوت تركيا صفحة الانقلابات؟
مقالات وترجمات > مقالات المعهد

هل طوت تركيا صفحة الانقلابات؟

د. سعيد الحاج
يولية ٧, ٢٠١٧

تمر بعد أيام ذكرى المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا، 15 يوليو 2016، والتي ثبتت نفسها كمحطة فارقة في تاريخها الحديث الذي عرف أربع انقلابات عسكرية "ناجحة"، وكحدث موثر في صياغة مشهدها الداخلي وبلورة سياستها الخارجية في المدى المنظور1، وما زالت تحوي الكثير مما تجب دراسته وتقييمه والاستفادة و/أو الحذر منه2.

السؤال الأهم الذي يطرح نفسه اليوم هو هل أوصدت تركيا -وإلى الأبد -الباب أمام الانقلابات العسكرية بعد إفشالها هذه المحاولة في يوليو 2017؟ ولعل إجابة السؤال تبدأ من المحاولة الانقلابية نفسها.

فقد كان الانقلاب الفاشل مختلفاً عن سابقيه الأربعة -إضافة لفشله في مقابل نجاحها -من عدة زوايا، أهمها دمويته وتوقيته وردة فعل الشعب تجاهه وكونه من تنظيم مجموعة فقط من ضباط الجيش ولم تجتمع أو تجمع عليه المؤسسة العسكرية بكاملها.

ولعل هذا العامل الأخير، أي عدم توافق كامل المؤسسة العسكرية وهرمية قيادتها (سلسلة القيادة والتحكم) على الانقلاب، كان الأهم والأكثر إسهاماً في إفشال المحاولة الانقلابية، إضافة طبعاً لعوامل أخرى كثيرة لا يمكن التقليل من أهميتها مثل ردة الفعل الشعبية ومواجهة الانقلابيين في الشوارع، وموقف الرئيس اردوغان وقيادته مواجهة الانقلاب، وموقف باقي الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام، وجهد جهاز الاستخبارات والشرطة (سيما قواتها الخاصة) اللذيْن خاضا معارك حقيقية في الشوارع والميادين، وفقدان قيادة الانقلاب عنصر المفاجأة مما انعكس ارتباكاً وفوضى في أدائهم، وغيرها من الأسباب3.

بعد شهر واحد من المحاولة الانقلابية الفاشلة كتبتُ أن أنقرة لم تتجاوز تماماً مرحلة الخطر، وأنه من المبكر القول إنها رمت خلفها وإلى الأبد فكرة الانقلابات العسكرية لأسباب كثيرة في مقدمتها صعوبة تغيير منظومة الأفكار داخل المؤسسة العسكرية في 14 سنة، واعتبرتُ أن ليلة 15 تموز/يوليو كانت مجرد بداية لمرحلة جديدة وأن خطر الانقلاب -وإن تضاءل كثيراً طبعاً -ما زال قائماً، مما يحيل صانع القرار التركي للكثير من الحذر والعمل لمنع تكراره4.

في ذلك الوقت، كانت الكثير من التفاصيل ما زالت غامضة وخريطة الانقلاب ومن يقف خلفه غيرَ واضحة تماماً في ظل وجود العديد من الشكوك والتفاصيل غير المعروفة بدقة والأسئلة التي تنتظر إجابات حاسمة عليها، مثل كنه "المعلومة" التي أوصلها رئيس جهاز الاستخبارات لرئاسة أركان الجيش يومها والإجراءات التي اتخذتها الأخيرة ودور جهاز الاستخبارات في تلك الليلة ...الخ5.

اليوم، بتنا مطلعين على الكثير الكثير من تفاصيل تلك الليلة الاستثنائية ومخطط الانقلاب ولكنا ما زلنا بعيدين نوعاً ما عن صورة جلية وخريطة متكاملة للانقلاب وتراتبية قياداته، وهو أمر يمنح شعوراً ممزوجاً بين الاطمئنان والقلق في آن معاً. لكن هناك عوامل أخرى وسياقات وتزامنات تشير إلى أن صانع القرار لا يعتبر أن خطر الانقلاب قد زال تماماً، أهمها:  

أولاً، التهديد المتكرر من أشخاص محسوبين على جماعة "كولن" موجودين خارج تركيا بانقلاب آخر، الأمر الذي يبقي الاحتمال قائماً لدى صانع القرار ورجل الشارع على حد سواء، ولعل في حادثة إحدى الشركات التجارية قبل أسابيع ما يثبت هذا التوجس، حيث أدت تغريدة وإعلان تجاري لمنتوجاتها (كان فيها بعض التلميحات أو المعاني غير المريحة) إلى غضب شعبي ونزول للشارع تحسباً لأي تطورات. ولئن كانت ثمة مخططات لأي انقلاب آخر -لا قدر الله -فربما تكون الذكرى السنوية للانقلاب والتي تحل الأسبوع القادم فرصة سانحة لهم.

ثانياً، صعوبة "تطهير" مؤسسات الدولة المختلفة سيما العسكرية من أتباع "الكيان الموازي" بسبب تغلغلهم فيها بطريقة سرية على مدى عشرات السنين، وقد صدرت عدة تصريحات لمسؤولين أتراك تقول إن ما تم إنجازه في المؤسسة العسكرية تحديداً لا يتجاوز 30 – 35% في أحسن الأحوال6.

ثالثاً، عدم سيطرة الحكومة على الجيش بكشل كامل أو لنقل عدم عمل الحزب الحاكم على إيجاد "دولة عميقة" له في المؤسسات المختلفة سيما الجيش، وبالتالي فتراجع تيار ما (كولن) فيه سيفيد تيارات أخرى (الكمالية أو القومية) ولا يعني بالضرورة انتفاء خطورة التفكير بانقلابات مستقبلاً (رغم صعوبة ذلك وتراجع فرصه طبعاً)، وهو ما يضاف لما سبق ذكره حول منظومة الأفكار الحاكمة في المؤسسة العسكرية.

رابعاً، استمرار الرهان على جماعة كولن، فيما يبدو، بدليل تصلب واشنطن حتى الآن في عدم تسليم كولن أو حتى تسريع ملف التحقيق معه، وإعطاء عدد كبير من الدول الأوروبية اللجوء السياسي لضباط محسوبين على الجماعة، وتغيير عدد من المتهمين الموقوفين إفاداتهم التي قدموها في التحقيق بعد الانقلاب مباشرة، بما يوحي بثقة ما (أو ربما أمل واهم) تولدت لديهم بإمكانية خروجهم من السجن أو إفلاتهم من العقاب.

خامساً، حملات مشبوهة ضد الوجود السوري في تركيا انتشرت مؤخراً على خلفية بعض الإشكالات أو الاحتكاكات بين الطرفين، وقد كان لها سوابق عدة أهمها قبيل الانقلاب الفاشل. الأمر الذي استدعى تدخلاً حكومياً على أعلى المستويات تمثل في تحذير وزارة الداخلية من المخططات المشبوهة التي تسعى لإثارة الفتن والقلاقل بأخبار مكذوبة أو مبالغ بها، وتأكيد نائب رئيس الوزراء التركي ويسي كايناك على أن نسبة الجريمة بين السوريين أقل من نسبتها في المجتمع التركي، وحذف وسم عنصري في تويتر دعا لطرد السوريين من البلاد، وتوقيف عدد من الأشخاص حاولوا إثارة الشارع، وتوحيد خطبة الجمعة عن مفهوم "المهاجرين والأنصار" بين الأتراك و"أشقائهم" السوريين.

سادساً، مسيرة زعيم المعارضة رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو من أنقرة نحو إسطنبول تحت شعار "العدالة" بعد إدانة أحد نواب الحزب بتسريب أسرار عسكرية، والتي بدأت قبيل العيد ويفترض أن تختتم في إسطنبول يوم الأحد 9 تموز/يوليو بمهرجان جماهيري حاشد، ويبدو أن الحكومة لديها تخوفات من أعمال استفزازية قد تتحول لفوضى في الشارع وتمتد زمنياً لتصل لذكرى الانقلاب.

في هذا الإطار، أعلنت السلطات التركية أنها ألقت القبض على عناصر من "داعش" كانوا ينوون تفجير سيارة مفخخة في المسيرة التي يقودها زعيم المعارضة مع وضع أعلام لحزب العدالة والتنمية داخلها بحيث يبدو العمل التفجيري من تخطيط أنصار للحزب الحاكم بهدف افتعال فتنة داخلية ومواجهات في الشارع. كما أعلنت أيضاً عن توقيف عدد من الأجانب والأتراك الذي اجتمعوا للتخطيط لكيفية تحريك الشارع -في سيناريو شبيه لأحداث جزي بارك في تقسيم 2013 -بالتزامن مع وصول كليتشدار أوغلو إلى إسطنبول.

سابعاً، قرار البرلمان الأوروبي الموصي (6 يوليو 2017) بتجميد ملف عضوية تركيا في الاتحاد في حال دخل النظام الرئاسي حيز التنفيذ بالتزامن مع مسيرة المعارضة المطالبة بـ “العدالة" والمعترضة على ملف الحريات والحقوق في البلاد والمطالِبة بإلغاء نتيجة الاستفتاء على النظام الرئاسي الذي أجري في نيسان/أبريل الفائت. كما يطالب البرلمان الأوروبي بسرعة إنهاء حالة الطوارئ ويعترض على العدد الكبير من الموقوفين والمبعدين من عملهم على ذمة التحقيق معهم في قضايا ترتبط بالمحاولة الانقلابية و/أو الانضمام للكيان الموازي المصنف على قوائم الإرهاب.

ثامناً، العامل الأمريكي، وهو الجناح الآخر المكمّل للأوروبي فيما يتعلق بالضغوط الخارجية على تركيا. وقد اتضحت على مدى الشهور الفائتة ملامح معينة للدور الأمريكي في الانقلاب إن كان لجهة دور قاعدة "إنجيرليك" العسكرية ليلة الانقلاب، أو اتصال القنصلية الأمريكية على المتهم رقم واحد عادل أوكسوز (الذي أطلق سراحه بعد توقيفه في ظروف غامضة ولم يعثر عليه حتى الآن) بعد إطلاق سراحه بأيام، أو في قضية "التجسس العسكري" المتعلقة بتوقيف شاحنات تابعة للاستخبارات التركية كانت متجهة لسوريا واتضح أن بعض قيادات في جماعة كولن متهمين في القضية كانوا على تواصل هاتفي حثيث مع السفارة الأمريكية حينها (وهي القضية التي أدين بها البرلماني المعارض). وباعتبار أن العلاقات التركية -الأمريكية ليست في أفضل حالاتها في ظل استمرار ملفات التوتر بينهما، فإن لهذا الدور الأمريكي دلالة لا تخفى ومحاذير ينبغي التنبه لها.

في المحصلة، كان فشل المحاولة الانقلابية ضربة قاصمة لفكرة الانقلاب نفسها في تركيا ونزولُ الشعب التركي للشوارع لمواجهة الانقلابيين (لأول مرة في تاريخ تركيا) صفعة تحذيرية لكل من سيفكر مستقبلاً في الانقلاب على الديمقراطية وسلطة الحكومة المنتخبة، لكن ذلك لا يعني أن الباب قد أقفل تماماً في تركيا على هذه السيناريوهات الكارثية. فما سيضمن عدم حصول ذلك هو تعمق الثقافة الديمقراطية وانضباط المؤسسة العسكرية تحت قرار السلطة المدنية المنتخبة من الشعب وتقوية عمل مؤسسات الدولة، وهو ما يتطلب تجربة ديمقراطية ناضجة ومتقدمة، وتركيا ما زالت لم تصل بعد لهذه المرحلة لكنها تسير على الطريق.

-------------------------------

الهامش

(1)أنظر مثلاً: سعيد الحاج، اتجاهات السياسة الخارجية التركية بعد الانقلاب، المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، 31 آب/أغسطس 2016:

(2)أنظر مثلاً، سعيد الحاج، انقلاب 15 تموز/يوليو ومستقبل تركيا، مجلة سياسات عربية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 1 آب/أغسطس 2016، رابط الورقة .

(3)أنظر مثلاً: سعيد الحاج، الانقلاب الفاشل في تركيا الأسباب والانعكاسات، الجزيرة نت، 18 تموز/يوليو 2016:

(4)سعيد الحاج، ها اجتازت تركيا مرحلة الخطر، إضاءات، 16 آب/أغسطس 2016:

(5)سعيد الحاج، انقلاب تركيا: تساؤلات بلا إجابات، المعهد المصري، 29 تموز/يوليو 2016:

(6)أنظر مثلاً: سعيد الحاج، التنظيم الموازي في تركيا بين الحقائق والأساطير، الجزيرة نت، 28 تموز/يوليو 2017:

(7 الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن "المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية ".

أعلى