لماذا تنجح المقاومة المدنية؟ -3
مقالات وترجمات > ترجمات المعهد

لماذا تنجح المقاومة المدنية؟ -3

عادل رفيق
أكتوبر ٩, ٢٠١٧

دراسة موسعة، يقوم المعهد المصري للدراسات بترجمتها حصرياً، ونشرها في حلقات، بعنوان: المنطق الاستراتيجي للكفاح السلمي، إعداد: ماريا ج. ستيفان وإريكا تشينويث

 

دراسات الحالة

ولإزالة العلاقة السببية بين نوع المقاومة ومستوى الفاعلية، درسنا ثلاث حالات استُخدمت فيها كل من المقاومة اللاعنفية والمقاومة العنفية في جنوب شرق آسيا، وهي الفلبين وبورما وتيمور الشرقية، وقد اُختيرت هذه الحالات الثلاث لعدة أسباب:

أولا: اخترنا حالتين مناهضتين للنظام (الفلبين وبورما) وحملة ضد الاحتلال الأجنبي (تيمور الشرقية) لإبراز التباين في أهداف الحملات.

ثانيا: تمثل هذه الحالات الحملات اللاعنفية الناجحة والفاشلة.

ثالثا: تم اختيار الحالة بناءً على التصميم الأكثر تشابها لدراسة الحالة، حيث تقارن في كل حالة الحملات في نفس المنطقة وخلال الفترة نفسها.

رابعاً: لم تتلق أي من الحملات التي تم فحصها مساعدات مادية خارجية مقدمة من دولة راعية. وقد سمح لنا ذلك أن نعتبر هذا العامل ثابتاً ودراسة المتغيرات الأخرى كل على حدة.

ويخدم هذا الأسلوب المقارن عدة أغراض:

أولا، يوفر طريقة صارمة لاختيار الحالات من أجل اختبار النظرية وذلك لتجنب الانتقادات بالتحيز في الانتقاء، لأن كلا من حالات التوقع (نجاح الحملة) والانحراف (فشل الحملة) يتم مقارننتها.

ثانيا، يساعد أسلوب المقارنة على تحسين النماذج النظرية، بالنظر إلى أن ملاحظات الانحراف (الفشل) تتطلب بشدة مزيدا من التوضيح. ويشمل التحليل المتداخل اختيار حالات النجاح للمقاومة اللاعنفية (الفلبين وتيمور الشرقية) والحالات المنحرفة لفشل الحملات اللاعنفية (بورما). ويمكن للتحليل المتعمق لحالات الانحراف (الفشل) أن يكشف عما إذا كانت المتغيرات في مجموعة البيانات تتطلب مزيداً من الحساسية، وعما إذا كانت هناك حاجة للمتغيرات المستبعدة لتفسير مزيد من الاختلاف في النتائج.

 

تيمور الشرقية (1988-1999)

كان طريق تيمورالشرقية -الواقعة في الأرخبيل الإندونيسي -للوصول إلى استقلال الدولة بعد مرور ثلاثين عاما على غزو إندونيسيا وضمها لها في عام 1975 -كان طريقها قاس ودموي للغاية. فقد كانت المستعمرة البرتغالية السابقة الغنية بالأخشاب والغاز الطبيعي في مياهها الاقليمية قد فشلت في إنهاء حقبة الاستعمار بنجاح، قبل أن يأمر الرئيس الإندونيسي سوهارتو بقصف جوي واسع النطاق وغزو بري لتيمور الشرقية في نوفمبر 1975. وبرر سوهارتو الغزو بزعم أن المجموعة القومية اليسارية التي أعلنت استقلال تيمور الشرقية قبل شهر واحد من ذلك، وهي الجبهة الثورية لاستقلال تيمور الشرقية (المعروفة اختصارا باسمها البرتغالي فريتيلين) تمثل تهديدا شيوعيا للمنطقة. واستغلت المخابرات الإندونيسية الانقسامات في تيمور الشرقية وساعدت على إثارة حرب أهلية بين الفصائل التيمورية. ووقع زعماء من الاتحاد الديمقراطى التيمورى والرابطة الديمقراطية الشعبية التيمورية، المناوئين لجبهة فريتيلين التى لم تكن تحظى بتأييد شعبي كبير، اتفاقا مع الحكومة الاندونيسية يطالب بضم تيمور الشرقية إلى اندونيسيا. وقد أعلن نظام سوهارتو إعلان "باليبو" لإضفاء الشرعية على غزو تيمور الشرقية وضمها لإندونيسيا، مما أسفر عن مقتل ما يقرب من ثلث السكان الأصليين.

وعلى الرغم من قرارات مجلس الأمن الدولي التي أدانت الإجراءات الإندونيسية، إلا أنها افتقدت إلى عامل التنفيذ، وتعاملت الحكومات الغربية مع ضم تيمور الشرقية كأمر واقع. وفي الوقت نفسه، أقامت إندونيسيا حكومة’ دمية‘في ديلي يسيطر عليها الجيش الإندونيسي والفصائل التيمورية الشرقية التي عارضت جبهة فريتيلين. وقُدمت لأكثر من 000 100 مسلم إندونيسي حوافز مالية لاستيطان تيمور الشرقية، التي كان يشكل الكاثوليك الأغلبية الساحقة من سكانها، وتعرضت الجزيرة لسيطرة احتلال عسكري أجنبي وحشي. وكانت التغطية الصحفية الدولية للحالة في تيمور الشرقية تقوم على رواية الدولة.

وقد اتخذت المقاومة المبكرة للاحتلال الإندونيسي شكل حرب تقليدية وحرب عصابات بقيادة الجناح المسلح لجبهة فريتيلين، وهي القوات المسلحة للتحرير الوطني لتيمور الشرقية (المعروفة بالاسم البرتغالي فالانتيل). وباستخدام الأسلحة التي خلفتها القوات البرتغالية، شنت قوات فالانتيل كفاحا مسلحا من منطقة الغابة الجبلية في تيمور الشرقية. وعلى الرغم من بعض النجاحات المبكرة، فبحلول عام 1980، كانت حملة إندونيسيا الوحشية لمكافحة التمرد قد دمرت المقاومة المسلحة مع ما يقرب من ثلث سكان تيمور الشرقية.. ثم حدث تحول كبير بعد ذلك للمقاومة في تيمور الشرقية.  

وكان زعيم التحول آنذاك هو كاي زانانا غوسماو وهو أحد قادة جبهة فالانتيل الذين بقوا على قيد الحياة. جاب غوسماو أنحاء الجزيرة سيرا على الأقدام للقاء العديد من المجموعات وتقييم إمكانات المقاومة للسكان. أقنع أسقف كاثوليكي يحظى باحترام كبير’ غوسماو‘بالتخلي عن الميول الشيوعية الماركسية لحركة التحرر الوطني من أجل تأمين دعم الكنيسة والحكومات الغربية لها. وبالفعل تنحى غوسماو عن رئاسة جبهة فريتيلين وأسس جبهة مقاومة غير حزبية جديدة، عرفت باسم المجلس الوطني لمقاومة موبير. كان المجلس الوطني يتألف من ثلاث ركائز: جبهة مسلحة، وجبهة دبلوماسية، وجبهة سرية. وكان القصد من الطابع غير الحزبي لمنظمة المقاومة الجديدة هو جعلها تستوعب الجميع قدر المستطاع.

وعلى الرغم من أن الجبهة السرية كان من المتوخى أصلا أن تكون شبكة دعم للحركة المسلحة، إلا أن أدوارهما في على أرض الواقع تبدلت وأصبحت الجبهة السرية هي القوة الدافعة وراء المقاومة الساعية للاستقلال. وكانت الجبهة السرية -والتي تعد ثمرة لحركة طلاب فريتيلين التي شُكلت خلال السبعينات – قد خططت وقادت سلسلة من الحملات اللاعنفية داخل تيمور الشرقية، وإندونيسيا، والعواصم الأجنبية ابتداء من عام 1988. وكان للجبهة السرية فروع داخل تيمور الشرقية وإندونيسيا – فقد كانت أعداد كبيرة من شباب تيمور الشرقية قد التحقت بالجامعات الإندونيسية –مما مكنها من تطوير شبكة لامركزية كبيرة من النشطاء الذين اعتمدوا على حملات تثقيفية واحتجاجات غير عنيفة لزيادة الوعي بالوضع في تيمور.

وحدث أول احتجاج كبير في نوفمبر 1988، عندما تمت دعوة البابا يوحنا بولس الثاني من الرئيس سوهارتو لزيارة ديلي -وهو عمل يهدف إلى إعطاء مزيد من الشرعية للضم القسري للجزيرة. وخلال التجمع الذي حضره البابا والآلاف، هرعت مجموعة من الشباب التيموريون وصعدت إلى المذبح، ثم بدأوا يرددون شعارات مؤيدة للاستقلال وأطلقوا لافتات تدعو إلى مغادرة القوات الإندونيسية. وتسببت المظاهرة التي غطتها وسائط الإعلام في إحراج إندونيسيا وأظهرت وجه المعارضة التيمورية الشرقية للعالم الخارجي، وساعدت في تخفيض مستويات الخوف بين التيموريين الشرقيين. وتم تنظيم المزيد من الاحتجاجات اللاعنفية بالتزامن مع زيارات المسؤولين الأجانب البارزين، بما في ذلك مظاهرة كبيرة خلال زيارة السفير الأمريكي لديلي في عام 1990، وتهريب صحفي أسترالي لمقابلة غوسماو في أدغال تيمور الشرقية.

بيد أن نقطة التحول الرئيسية لحركة استقلال تيمور الشرقية كانت عبارة عن مذبحة! ففي 12 نوفمبر 1991، فتحت القوات الإندونيسية النار على حشد من التيموريين الشرقيين الذين كانوا يسيرون في مسيرة جنازة سلمية، مما أسفر عن مقتل أكثر من 200 شخص. وقام مصور بريطاني بتصوير المذبحة، وقدم الصحفيون الغربيون الحاضرين شهاداتهم كشهود عيان بالإضافة إلى الصور التي التقطوها. وذاعت أخبارالمذبحة بسرعة في جميع أنحاء العالم، مما أثار غضبا دوليا ودفع التيموريين الشرقيين إلى إعادة التفكير في استراتيجيتهم. ووفقا لما ذكره أحد قادة تيمور الشرقية، "بعد مذبحة ديلي، توصلنا إلى فهم مفاده أن للتيموريين الشرقيين والإندونيسيين نفس العدو، وهو الجيش الإندونيسي ودكتاتورية سوهارتو. كنا بحاجة إلى كسب الإندونيسيين إلى جانب نضالنا لأنه كان نضالهم أيضا."

وفي عام 1996، مُنحت جائزة نوبل للسلام لزعيم الكنيسة الكاثوليكية في تيمور الشرقية، المطران كارلوس بيلو، وزعيم الجبهة الدبلوماسية للمجلس الوطني للمقاومة، خوسيه راموس -هورتا، لجهودهما الرامية إلى التوصل إلى نهاية سلمية للاحتلال الإندونيسي. وبعد استلام الجائزة، دعا بيلو وراموس -هورتا المجتمع الدولي إلى دعم إجراء استفتاء بشأن مستقبل تيمور الشرقية السياسي.

وبعد سقوط سوهارتو في عام 1998 بعد نضال غير عنيف إلى حد كبير، سرعان ما قدم الزعيم الإندونيسي الجديد ب. ج. حبيبي سلسلة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية الرامية إلى استعادة الاستقرار والمصداقية الدولية لإندونيسيا. وكانت هناك ضغوط دولية هائلة على’ حبيبي‘لحل قضية تيمور الشرقية، التي أصبحت تمثل حرجا دبلوماسيا وضغطا على اقتصاد إندونيسيا. وفي يونية 1998، عرض حبيبي الحكم الذاتي الخاص لتيمور الشرقية مقابل الاعتراف بسيادة إندونيسيا على تيمور الشرقية. ولكن عقب المظاهرات الضخمة التي قام بها التيموريون الشرقيون والمزيد من الضغوط الدولية، أعلن حبيبي أن الاستقلال خيار مطروح إذا رفض سكان تيمور الشرقية الحكم الذاتي. وفى 5 مايو 1999 وقَعت اندونيسيا والبرتغال والامم المتحدة اتفاقية ثلاثية تدعو الى اجراء استفتاء تحت اشراف الامم المتحدة حول الوضع النهائى لتيمور الشرقية. وخلال الاستفتاء، صوت ما يقرب من 80 فى المائة من التيموريين الشرقيين لصالح الاستقلال. ثم شنت الميليشيات المدعومة من الحكومة الإندونيسية حملة أرض محروقة في البلاد أدت إلى دمار شامل بالجزيرة وتشريد للسكان. وخلال هذا العنف بعد الاستفتاء، دعا جوسماو متمردى فالانتيل الى البقاء داخل مخيماتهم وعدم استخدام القوة العسكرية. وقد دافع غوسماو في وقت لاحق عن هذا القرار قائلا: "لم نكن نريد أن ننتقل إلى لعبتهم لتحويل أعمال العنف إلى حرب أهلية..." وفي 14 سبتمبر 2000، صوت مجلس الأمن بالإجماع على تفويض قوة دولية بقيادة أستراليا للذهاب إلى تيمور الشرقية. وبعد شهر واحد، أُُنشئت إدارة الأمم المتحدة الانتقالية في تيمور الشرقية. وبعد فترة انتقالية مدتها سنتان، أصبحت تيمور الشرقية أحدث دولة مستقلة في العالم في مايو 2002.

 

تيمور الشرقية: العوامل الدولية

بعد مذبحة ديلي، اعتمدت الحركة المؤيدة للاستقلال استراتيجية مزدوجة من "النزعة الإندونيسية" و "التدويل". وبتبني كلتا الاستراتيجيتين كان الاعتماد منصباً على المقاومة اللاعنفية. وكان الهدف من’ النزعة الإندونيسية‘هو تحريك النضال بشكل أقرب إلى قلب أرض الخصم من خلال التواصل مع المفكرين الإندونيسيين وقادة المعارضة السياسية والناشطين في مجال حقوق الإنسان. تعلم ناشطون من تيمور الشرقية اللغة الإندونيسية، واستخدموا النظام القانوني في إندونيسيا، ودرسوا في مدارسها وجامعاتها، واستشهدوا بنصوص من دستورها وفكرها، وتلقوا دعما ماليا من المنظمات غير الحكومية الإندونيسية، واحتجُوا كذلك في شوارعها. وتم تأسيس منظمات جديدة لتعزيز التعاون بين الاندونيسيين والتيموريين الشرقيين والناشطين الدوليين؛ حيث قامت هذه المنظمات باحتجاجات مشتركة. وناقش زعماء الجبهة السرية داخل إندونيسيا القيمة االاستراتيجية لاستخدام العنف، وقرروا في نهاية المطاف الوقوف ضده.

 أما "التدويل" فكان ينطوي على استهداف المؤسسات المتعددة الأطراف والحكومات الأجنبية التي تساعد معوناتها على إبقاء نظام سوهارتو واقفا على قدميه. وكان التكتيك اللاعنفي الأكثر تأثيراً والذي استخدم للنهوض بهذه الاستراتيجية هو ما أشار إليه التيموريون ب "قفز السياج". وهو القفز فوق أسوار السفارات الغربية في جاكرتا والانخراط في اعتصامات غير عنيفة، مع نشر معلومات عن انتهاكات حقوق الإنسان داخل تيمور الشرقية. وفي عام 1994، وخلال قمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ الكبرى في جاكرتا، قام تسعة وعشرون متظاهرا من إندونيسيا وتيمور الشرقية بتسلق جدران السفارة الأمريكية ورفضوا المغادرة لمدة اثني عشر يوما. وقد اجتذب هذا العمل المؤثر وسائل الإعلام وأحرج الحكومة الإندونيسية.

وقد اتخذ العمل اللاعنفي المباشر لدعم استقلال تيمور الشرقية طابعاً عابراً للحدود الوطنية. ففي الولايات المتحدة، نجحت شبكة العمل في تيمور الشرقية -وهي شبكة من منظمات حقوق الإنسان والجماعات الدينية وغيرها من المنظمات الشعبية التي أنشئت بعد مذبحة ديلي -في الضغط على الحكومة الأمريكية لوقف تزويد إندونيسيا بالمساعدات وتدريب العسكريين حتى تُنهي انتهاكات حقوق الإنسان وتسمح بحق تقرير المصير هناك. وفي عام 1992، أصدر الكونجرس الأمريكي قرارا يقضي بتخفيض تمويل التدريب العسكري لإندونيسيا، على الرغم من الجهود القوية التي بذلتها الشركات الحليفة لجاكرتا من أجل عرقلة القرار. وقد منعت وزارة الخارجية الأمريكية إمداد اندونيسيا بطائرات من طراز اف -5، وفى عام 1994 أصدر الكونجرس قانونا يحظر بيع الاسلحة الصغيرة لإندونيسيا. وعلى الرغم من أن البيت الأبيض في عهد كلينتون واصل بيع الأسلحة إلى إندونيسيا (ولمدة من الزمن أعادت تدريب العسكريين)، فإن الضغط الشعبي المستمر جعل تيمور الشرقية قضية مركزية في العلاقات الأمريكية – الإندونيسية.

على الرغم من المذابح والعديد من انتهاكات حقوق الإنسان التي قامت بها الدولة، فإن حملة فالانتيل العنيفة فشلت في اجتذاب تعاطف المجتمع الدولي. وعلى النقيض من ذلك، تمكنت حملة المقاومة اللاعنفية، التي اعتمدت على إجراءات شعبية منظورة، من الحصول على التعاطف الكافي من المجتمع الدولي لفرض عقوبات على الحكومة الإندونيسية.

 

تيمور الشرقية: العوامل المحلية

أدت الحملة العنيفة داخل تيمور الشرقية إلى انتشار شكوك وعداءات واسعة النطاق داخل قوات الأمن الإندونيسية. وتكشف وثائق عسكرية غير مصنفة أن قوات الاحتلال الإندونيسية كانت متفائلة بشكل ملحوظ بشأن إمكانية الانتصار في تيمور الشرقية، في حين أن هذه القوات اندهشت فيما بعد لانخراط سكان تيمور الشرقية في حرب العصابات. وكانت أساليب الحكومة الإندونيسية العشوائية والقمعية في مكافحة التمرد بعد ذلك وحشية للغاية، مما أدى إلى دعم ضمني للمسلحين بين السكان المحليين. غير أن المقاومة المسلحة لم تتمكن أبدا من تجنيد أكثر من 1500 مقاتل نشط. ولم تؤد أعمالهم الانتقامية العنيفة ضد قوات الأمن إلا إلى تعزيز عزم الجيش الإندونيسي على إبادتهم وصعَدت من وتيرة الصراع.

وعلى العكس من ذلك، أدت الحملة اللاعنفية إلى بعض التحولات في الولاءات. قاد الطلاب الإندونيسيون جهود التعبئة الجماهيرية التي أدت في نهاية المطاف إلى تحول في الولاء بين نخبة رجال الأعمال وأفراد قوات الأمن. فقد فقدت النخب التجارية، التي كانت لاتزال تعاني من الأزمة الاقتصادية، حماسها للاستمرار في الاحتلال، وخاصة بعد تزايد الضغوط الدولية للتخلي عنه. وفي داخل الجيش الإندونيسي، ظهرت انقسامات بين كبار السن من أفراد الضباط، الذين كانوا يستفيدون من صفقات تجارية مربحة وترقيات في تيمور الشرقية من جهة، والضباط الأصغر سناً، الذين كانوا يدعون إلى إجراء إصلاحات من جهة أخرى. واعترف الضباط الأصغر سناً بأن محاولة إندونيسيا كسب القلوب والعقول في تيمور الشرقية قد فشلت إلى حد كبير. وأوضح القائد العسكري التيموري الشرقي تاور ماتان رواك أنه كلما كان يتم أسر جنود إندونيسيين، كانوا بتعمدون معاملتهم معاملة جيدة وأحياناً كانوا يطلقون سراحهم للعودة إلى عائلاتهم في إندونيسيا. كما رفضت القيادة الساعية للاستقلال عمدا قبول الدعم من’ حركة أتشيه الحرة‘التي كانت تدعو إلى الإطاحة بالحكومة الإندونيسية بالقوة. وعندما انخفض مستوى الثقة الشعبية في حكومة سوهارتو، دعا القادة العسكريون الإندونيسيون الرئيسيون إلى استقالة الرئيس.

بعد فترة وجيزة من حصول بيلو وراموس -هورتا على جائزة نوبل للسلام، اتحدت الفصائل التيمورية الشرقية التي كانت منضوية سابقا تحت’ فالانتيل‘في إطار منظمة جديدة مؤيدة للاستقلال، هي المجلس الوطني للمقاومة التيمورية. وقد أتاحت هذه الخطوة الحاسمة لأبناء تيمور الشرقية أن يقدموا جبهة موحدة إلى الحكومة الإندونيسية والمجتمع الدولي. وكذلك مهدت الأزمة الاقتصادية الآسيوية في عام 1997 للتعبئة الجماهيرية داخل إندونيسيا، والتي أجبرت الرئيس سوهارتو على الاستقالة في مايو 1998. وقد كان نشطاء تيمور الشرقية المؤيدون للاستقلال يتظاهرون إلى جانب نشطاء المعارضة الإندونيسية للمطالبة بوضع حد للديكتاتورية العسكرية الفاسدة لسوهارتو. وبينما أدت حملات التمرد العنيفة في تيمور الشرقية إلى أن يبلغ عدد المقاتلين 1500 مقاتل فقط كحد أقصى، أنشأت المقاومة اللاعنفية تحالفات شاملة مع عشرات الآلاف من المشاركين. وأدى الجمع بين الضغط الدولي والمحلي الناجم عن جهود المقاومة اللاعنفية ضد الاحتلال إلى إجبار الحكومة الإندونيسية على الانسحاب من تيمور الشرقية.

(في الجزء القادم نستكمل دراسات الحالة في الفلبين وبورما)

أعلى