قطر: مؤشرات الانتصار على دول الحصار
مقالات وترجمات > مقالات مختارة

قطر: مؤشرات الانتصار على دول الحصار

د. عصام عبد الشافي
أغسطس ١١, ٢٠١٧

أكد الدكتور عصام عبد الشافي أستاذ العلوم السياسية، جامعة صقاريا التركية، مدير المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، في تركيا، أن قطر نجحت في كسر الحصار والانتصار على الدول المحاصرة، وتكبيدها خسائر فادحة، في وقت عوضت فيه قطر خسائرها في شتى المجالات، وحصلت على البدائل الاقتصادية المناسبة.

واستشهد د. عبد الشافي على ذلك بـ 4 مؤشرات مهمة، وشدد على أن الحصار يجيء ليفاقم أزمة الاقتصاد السعودي الذي بدأ بالفعل في الانهيار، مع ارتفاع ديون المملكة بمعدلات تجاوزت 800% خلال العامين الأخيرين. وانتقد د. عصام ما وصفه بـ «توظيف شعائر الحج للابتزاز السياسي».

وفي ذات السياق اشار الى ما أسماه بـ «شبهات فساد في منح تأشيرات اداء الشعائر المقدسة «. ودعا إلى «وضع الأماكن المقدسة في السعودية تحت إشراف مؤسسة اسلامية مستقلة». جاء ذلك في حوار شامل للدكتور عصام المتخصص في الشؤون السعودية لـ «لوسيل»، لفت خلاله الانتباه الى 6 خطوات تصعيدية تدرسها دول الحصار الآن، يتعين على دولة قطر ان تعمل على معالجة تداعياتها ان حدثت. وأشار إلى 6 أدلة تؤكد ان دول الحصار تتكبد خسائر موجعة، وفيما يلي نص الحوار الذي أجرته معه صحيفة "لوسيل الاقتصادية القطرية"، ونشرته بتاريخ 8 أغسطس 2017:

 

حدثنا عن الأبعاد الاقتصادية والسياسية للأزمة الخليجية.. أسبابها ومبرراتها؟ 

تترتب على الأزمة العديد من التداعيات السلبية على حركة التجارة، من بينها الإضرار بالعمّال والأسر وتأثر المشاريع وحركة التجارة البينية في دول المنطقة، ومن بين الدول التي يمكن أن تتعرض لأذى حقيقي لو توفرت إرادة لدى القطريين لذلك دولة الإمارات العربية التي تستورد حوالي ثلث استهلاكها من الغاز الطبيعي من الدوحة عبر خط أنابيب دولفين للطاقة. الى جانب خسارة دول الحصار للتدفقات التجارية نحو دولة قطر، ففي العام 2015، بلغ إجمالي التدفق التجاري نحو 2 مليار دولار من السعودية، و7 مليارات دولار من الإمارات و500 مليون دولار من البحرين. 

ولا يفوتنا الاستثمارات المشتركة التي تصل محفظتها إلى عشرات المليارات من الدولارات. وعلي سبيل المثال يُقدَّر مجموع استثمارات القطاع المصرفي السعودي مع قطر بنحو 30 مليار دولار، وكذلك الأمر بالنسبة للقطاع المصرفي الإماراتي. 

ولو تطرقنا الى البعد البشري في الأزمة يُقدَّر عدد السعوديين المقيمين في قطر بنحو 20 ألف شخص، ويصل عدد البحرينيين والإماراتيين الذين يقيمون فيها إلى 15 ألف شخص، وهناك نحو 10 % من الزيجات تتم بين قطريين وغير قطريين من دول الخليج. 

ونلاحظ أن الأزمة انفجرت في وقتٍ تشهد فيه منطقة الخليج انكماشاً اقتصادياً حاداً بسبب انخفاض أسعار الطاقة العالمية. وعُلّقت مشاريع كبيرة وأُلغيت مشاريع أخرى، وخُفِّضت الرواتب وقلص عدد الموظّفين في قطاعات كبيرة ومهمة.

 

ماذا عن السيناريوهات المتوقعة للأزمة والتي يتعين وضعها في الاعتبار؟ 

أعتقد أن دول الحصار سوف تقوم باتخاذ إجراءات تصعيدية ضد دولة قطر، وتتحرك ضمن مساراتها خلال المرحلة القادمة، وهو ما يجب ان تستعد له القيادة القطرية وتفكر فيه بجدية وتعمل على بناء آليات فاعلة للمواجهة، وتلك الإجراءات، هي :

1ـ تجميد أو إلغاء عضوية قطر من مجلس التعاون الخليجي، وفرض معوقات على دورها في جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، أمام دور الرياض الفاعل في الدولتين، وأمام تأثير المال السياسي الفاسد الذي يتم استخدامه ضد عدد من الدول والنظم السياسية.

2ـ العمل على استهداف الأرصدة القطرية في الخارج، وتجميدها في الدول التي ستقبل بذلك، وكذلك سحب الأرصدة التي لهذه الدول في قطر، للنيل من اقتصادها، وتهديد استقرارها المالي والمجتمعي.

3ـ توسيع الحصار الاقتصادي من خلال ممارسة العديد من الضغوط على الدول الداعمة لقطر لوقف امدادها باحتياجاتها الأساسية، وتخيير هذه الدول بين الاستثمارات والأرصدة السعودية والإماراتية، وبين الاستثمارات والأرصدة القطرية.

4ـ التحرك الجاد لزرع الفتن في المجتمع القطري، من خلال العمل على تأليب المكونات الاجتماعية والقبلية، سواء داخل قطر، أو تلك التي لها امتدادات خارجها.

5ـ استهداف قطر في المحافل الدولية والمنظمات الدولية، بدعوى دعم الإرهاب، ومحاولة استصدار أي قرار من أية منظمة لإدانة قطر، والبناء عليه، في ممارسة المزيد من الضغوط.

6ـ الحملات الإعلامية الممنهجة ضد قطر ومؤسساتها ورموزها، ليس فقط عبر المؤسسات الإعلامية، المتعارف عليها، التقليدية والحديثة، ولكن أيضاً عبر المنابر الدينية كالمساجد والعلماء والشيوخ المحسوبين على دول الحصار، لخلق مزيد من البلبلة وعدم وضوح الرؤية بين الشعوب، التي تغلب عليها العاطفة الدينية، ويمكن أن يتأثر العوام منها بمثل هذا الخطاب العدائي، والخطب والفتاوى الدينية، مع رهان حكومة الرياض على مكانة بلاد الحرمين الدينية.

 

ثمة خسائر اقتصادية موجعة تتكبدها دول الحصار:

في سياق تلك المؤشرات حول الاقتصاد الخليجي والمصري التي سبق وتطرقنا اليها.. تأتي أهمية التأكيد على 7 اعتبارات الأساسية

1ـ إن الخسائر الاقتصادية من الحصار لن تنال قطر وحدها، ولكنها ستنال باقي كل الدول المشاركة في الحصار.

2ـ من خلال تحليل هيكل التجارة الخارجية لقطر مع الدول الخليجية يتبين أن كافة السلع المتبادلة لا تمثل سلعاً استراتيجية، حيث تستطيع قطر أن تقوم بعملية إحلال لتلك السلع من دول أخرى، ولكن الفارق هنا سيتمثل في تكلفة النقل، وهي تكلفة يمكن تعويضها في إطار تقديم الحكومة الدعم للقطاع الخاص القطري. كما أن العلاقات الخليجية على الصعيد التجاري هي علاقات تنافسية، بمعنى وجود تشابه كبير بين الصادرات السلعية، والتي تعتمد على النفط بشكل كبير.

3ـ ثمة تقديرات ضعيفة لحركة التجارة والاستثمار بين مصر وقطر، كما أن هيكل السلع المتبادلة لا يعكس وجود سلع استراتيجية مؤثرة، يمكن استخدامها كورقة ضغط خلال الفترة المقبلة، فكل من الصادرات والواردات بين البلدين يمكن استبدالها بسهولة من دول أخرى.

4ـ تمتلك قطر ورقة ضغط على دول الخليج وبخاصة الإمارات، من حيث وقف إمدادات الغاز الطبيعي، باعتباره المكون الرئيس لصادرات قطر للإمارات وباقي دول مجلس التعاون الخليجي.

5ـ ثمة مصالح مشتركة تربط الدول الخليجية ومصر بقطر، ومن بينها الاستثمارات البينية، فبلا شك أن اتخاذ خطوات أكبر مما هو عليه الآن للحصار على قطر، سوف يؤدي إلى فقدان تلك الدول لمزيد من تدفقات الاستثمارات القطرية خلال الفترة المقبلة، وسوف يعيد توزيع خريطة الاستثمارات الخارجية لقطر باستبعاد دول الحصار الاقتصادي على قطر.

6ـ سوف تتحمل قطر خسائر تتعلق بقطاع الطيران، ولكنها لا تعول كثيرًا على السياحة، وسيكون المتضرر الأكبر من قطع العلاقات بين الدول المحاصرة وقطر، هو قطاع الخدمات، بسبب حرمان تلك البلدان من السياحة القطرية، وتعود هذه الخسائر بشكل أكبر على دولة الإمارات العربية.

7ـ ثمة خسائر يتكبدها قطاع تجارة الجملة والنقل بالمملكة العربية السعودية، وبخاصة الشركات العاملة في السلع الغذائية، والتي تمد قطر بجزء كبير من احتياجاتها.

 

ديون السعودية

يجيء فرض الرياض الحصار في وقت تضاعفت خلاله ديون المملكة.. ما أسباب تضاعف تلك الديون وخطورتها؟

أعلنت الرياض عن موازنة 2017 بإجمالي نفقات تبلغ نحو 237 مليار دولار، بعجز يصل إلى حوالي 53 مليار دولار. وفقدت الأصول الاحتياطية الأجنبية لدى مؤسسة النقد العربي السعودي نحو 31% من قيمتها منذ منتصف 2014 بما يعادل 214 مليار دولار.

كذلك تراجع احتياطي النقد الأجنبي لدى السعودية، خلال فبراير 2017، إلى أدنى مستوى له في 5 سنوات، مواصلا هبوطه منذ أزمة انخفاض أسعار النفط منتصف 2014، وأظهرت بيانات مؤسسة النقد العربي السعودي (29 مارس 2017)، تراجع احتياطي المملكة من النقد الأجنبي إلى أدنى مستوى له منذ 5 سنوات. وأشارت المؤسسة، إلى هبوط الاحتياطي النقدي إلى حوالي 533.3 مليار دولار في فبراير فاقداً 7.6 مليارات دولار عن مستواه في يناير 2017. وسبق للسعودية أن أعلنت عند نشر بيانات موازنة العام المالي 2017/‏‏2018، في ديسمبر 2016، أنها تتوقع عجزاً يصل إلى 84 مليار دولار، بمعدل 7 مليارات دولار شهرياً.

إيرادات السعودية من موسم الحج تبلغ الان 62 مليار ريال (16.5 مليار دولار) مع زيارة أكثر من 12 مليون حاج ومعتمر للمملكة، وعلي الرغم من ذلك تضع السعودية عراقيل أمام 1200 حاج من القطريين والمقيمين وتمنعهم من أداء الفريضة.

ثمة ممارسات غير مقبولة تتم من قبل الجهات والمؤسسات السعودية المسؤولة عن منح تأشيرات الحج والعمرة، كيف يمكن مواجهة ذلك؟ وما هو تقييمكم لاقتصاديات الحج؟ 

في إطار الترويج الإعلامي والسياسي للمملكة، مما يفقد الشعيرة الهدف منها. فتخصيص شركات أو مؤسسات أو أفراد بعينهم لتوزيع تأشيرات الحج والعمرة في بعض البلدان الإسلامية، يحمل دلالات فساد كبيرة، والأسوأ هو استخدام هذه الشعيرة في الابتزاز السياسي والقيام بضغوط سياسية على الدول التي لا ترضى عنها الرياض، وهو ما يجب معه التفكير جدياً في قضية تدويل الأماكن المقدسة، بحيث تكون تحت رعاية منظمة إسلامية، لا تخضع في قراراتها لأية دولة من الدول، فتتأثر بتوجهات نظم سياسية معينة.

 

ما تقييمكم لصمود قطر حتى الآن في مواجهة الحصار؟ 

نجحت قطر في كسر الحصار الاقتصادي المفروض عليها والانتصار عليه بعد أقل من أسبوعين من فرضه، وهو ما ظهر في 4 مؤشرات وهي:

1ـ تلبية احتياجات الأسواق من السلع الغذائية، وجذب موردين دوليين جدد، خاصة من تركيا واليونان والهند وسلطنة عمان والكويت وإيران والعراق والمغرب والجزائر وغيرها، كما تدفقت الحاويات على ميناء حمد الدولي محملة بالبضائع والسلع، ونجحت الخطوط القطرية في تكوين جسر جوي لنقل كل السلع المطلوبة بما فيها الماشية والأبقار.

2ـ شهد الريال القطري استقرارا ملحوظا مقابل العملات الرئيسية، رغم ضغط السحب النقدي في بداية الأزمة ومزاعم حدوث انهيار في قيمة العملة القطرية وسحب عشرات المليارات من الدولارات من قبل مستثمرين أجانب. وقد دعم هذا الاستقرار توافر سيولة نقدية تجاوزت 200 مليار دولار، إضافة إلى السيولة المتوافرة لدى الصندوق السيادي والبالغة 335 مليار دولار، واحتياطي من النقد الأجنبي تجاوز 42 مليار دولار، إضافة للسيولة المتوافرة لدى البنوك القطرية والتي تتجاوز أصولها 357 مليار دولار.

3ـ خسرت البورصة القطرية 10% من قيمتها السوقية في الأيام الأولى للتعامل، خصوصاً مع اندفاع المستثمرين نحو البيع، لكن البورصة ربحت 1.3 مليار ريال في تعاملات الأسبوع الثالث بعد الحصار، وعوضت الخسائر التي منيت بها في الأسبوع الأول للأزمة، واندفع مستثمرون قطريون لشراء الأسهم التي تخلص منها العرب والأجانب عقب اندلاع الأزمة.

4ـ فقدت الخطوط الجوية القطرية نحو 6% من حصتها السوقية مع بداية الأزمة بسبب حظر دخولها دول الحصار، إلا أنها استطاعت إيجاد وجهات جديدة، كما أبرمت اتفاقيات سريعة مع خطوط إقليمية لنقل الركاب المتعاقدين معها إلى دول العالم. وهناك 3 عوامل أساسية ساهمت وبقوة في الصمود القطري خلال المرحلة الماضية من الأزمة، في مقدمتها:

  • التماسك الداخلي والترابط القوي بين القيادة والشعب، وتلاحم الشعب خلف قيادته، وثقته الكبيرة في إدارتها للأزمة.
  • عدالة القضية القطرية والموقف القطري في مواجهة دول الحصار، وتجبرها وتطاولها، ومحاولتها إملاء شروط ومطالب تتعارض وكل مبادئ القانون الدولي -ومبادئ حسن الجوار، بل ومع كل نظم وقوانين مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ تأسيسه في 1981.
  • الدعم الشعبي الإقليمي والدولي للموقف القطري، والذي يرتبط بعدالة القضية أولاً، وبكفاءة وفاعلية مصادر القوة الناعمة القطرية التي نجحت قطر في ترسيخها وتعزيزها خلال العشرين عاماً الماضية، ومن صورها الشبكات الإعلامية القوية، والمراكز البحثية الفاعلة، والعمل الخيرى الواسع، والارتباط القطري بإرادات الشعوب في مرحلة ما بعد الثورات العربية 2011، خلافاً لدول الحصار التي قمعت هذه الإرادات وحاربت الثورات، ودعمت الاستبداد والتسلط والانقلابات.(1 ).

------------------

الهامش

(1 ) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن "المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية".

أعلى