بين عودة مرسي ونطاق الاصطفاف: أى أفق؟
تقدير موقف > تقديرات سياسية

بين عودة مرسي ونطاق الاصطفاف: أى أفق؟

وسام فؤاد
يولية ١٧, ٢٠١٧

تمهيد

مطلب قطاع من جماعة الإخوان بعودة الرئيس د. محمد مرسي من العوامل التي يمكن القول بأنها أحد العوامل الأساسية التي يتوقف عليها توسيع نطاق الاصطفاف في مصر اليوم، لأنها تؤثر على نطاق هذا الاصطفاف في الآونة الراهنة، كما يتوقع أن تؤثر على مستقبل الاصطفاف في أحلك اللحظات التي يكون أحوج ما يكون فيها لتماسك مكوناته. ولهذا، فإن الانخراط في حوار جاد حول هذا المطلب يعد، لدى قوى 30 يونيو، وأعني هنا القوى الإصلاحية منها، تمييزا لها عن القوى المصلحية، رمزا لمراجعة جماعة الإخوان حيال أمرين: أولهما ما سبق 30 يونيو من مسالك أدت لاستقطاب حاد انتهى لوقوع قوى 30 يونيو في شراك انقلاب عسكري، وثانيهما أنها تعني وجود رؤية واضحة حيال الانخراط في جهود الإصلاح الوطني على أرضية «ثقافة المشاركة»، بما يضمن عدم الانزلاق إلى مسارات الفشل مجددا.

بمعنى آخر، فإن المعارضة المصرية الإصلاحية اليوم تتنازعها معادلتان للتغيير:

المعادلة الأولى: (السيسي) قام بانقلاب عسكري خدع به (حراك يونيو) ضد (الرئيس المنتخب)

المعادلة الثانية: (السيسي) قام بانقلاب عسكري ضد (الرئيس المنتخب)

المعادلتان قضيبا قطار لا يمكن بناء مستقبل لمعارضة مصرية فعالة إلا بتفاوض فعال حوله، أو بتنازل إحداهما للأخرى.

لا تدعي هذه الورقة، التحليلية في المقام الأول، أنها ستقوم بحسم ميزان منافع ومساؤى حمل هذا المطلب. فهي محض محاولة لكشف أبعاد تأثير هذا المطلب على حال ومآل عملية الاصطفاف المنشودة. وفي المقام الأخير، فإن تأثير هذا المطلب لا يقل في حيويته وفداحته اليوم عن الشروع في تدشين نموذج الاصطفاف، عن فداحته وخطورته في مستقبل هذا الاصطفاف، بل يمكن القول بإن أية إشارة بسيطة لمستقبل الاصطفاف مع تغييب هذا المطلب قد تحرم حالة الاصطفاف من الزخم المنشود من جرائها.

بين هذين المفصلين تناقش الورقة المطلب وتداعياته.

أولا: تدشين حد أدنى من الاصطفاف

المفصل الأول من مفاصل تأثير مطلب عودة الرئيس د. محمد مرسي شائع بين التيار المدني بصورة أساسية، وفي أوساط قطاع عريض من التيار الإسلامي، ومن ضمنهم قطاع من أصحاب الذهنية السياسية من أعضاء جماعة الإخوان أنفسهم، ألا وهو مطلب تدشين اصطفاف أغلب القوى السياسية، التي ترفض المربع الذي تقف فيه مصر اليوم، لأجل توفير مظلة لحراك وطني لا يحمل بذور اضمحلاله، ويحمل في نفس الوقت بذور تطمين القاعدة الجماهيرية اللازمة لاستعراض الجدية في طلب التغيير.

ففي النهاية، لا يكفي أن يتحرك بضع مئات أو حتى آلاف لإقناع إدارة سياسية مثل «إدارة 3 يوليو» برغبة الجماهير في التغيير. ومراجعات قادة الرأي العام المصري في أعقاب تخوف الجميع من الخروج لرفض بيع جزيرتي تيران وصنافير، هذه المراجعات أفادت تضافر كل من الخوف من القمع، وعدم الثقة في المستقبل، للحيلولة دون نزول الجماهير المصرية للتعبير عن رفضها1.

أ. مطلب العودة وأثره:

إن تأثير مطلب عودة الرئيس محمد مرسي، على الاصطفاف الراهن بدأت تباشيره مع نقد وثيقة «الجبهة الوطنية المصرية» التي سكتت عن مطلب عودة مرسي. فبالرغم مما بدا من أن ثمة تقدم واضح في خطاب قيادات الاصطفاف، أبرز نقاطه تمثلت في التأكيد على المسؤولية التاريخية المشتركة عما آل إليه وضع مشروع يناير، بالرغم من هذا، نظر البعض إلى تغييب نقاط مثل الموقف من «لحظة 30 يونيو»، والموقف من الجماهير التي خرجت في 30 يونيو، ومطلب عودة مرسي، وهي كلها نقاط غابت عن البيان التأسيسي، لكنها تمثل للشركاء المحتملين المستهدفين بالمبادرة، بدت كمصادر قلق، قد تقود «لحظة إضاءة نموذج الاصطفاف» بتعبيرات العلامة المسيري، رحمه الله، إلى «لحظة اشتعال»، بتعبيره، أو «لحظة انفجار» بتعبير جمال الجمل، في مناقشته لوثيقة الجبهة الوطنية2.

تواجه الجماعة مطالب بين إسلاميين ومدنيين بالتنازل عن مطلب عودة الرئيس مرسي، وتعتبر أن وجوده يمثل عقبة في بناء أية حركة سياسية يمكنها إنقاذ مصر مما انزلقت إليه، وبخاصة بعدما خلعت «إدارة 3 يوليو» عباءة 30 يونيو تماما، وهو ما أتى إثر تنكر قطاع واسع من قيادات 30 يونيو لهذه اللحظة التاريخية، في حين أن قطاعا ثانيا تمسك بهذه اللحظة، لكنه أصر على أنها لم تكن ترمي للوصول إلى ما آلت إليه فعليا على الأرض من انقلاب عسكري راح الجميع ضحيته، باستثناء قطاع ضئيل، ويتآكل، من النخبة التي ربما حققت مكاسب سياسية محدودة في مجتمع ماتت فيه السياسة إثر حزمة من الممارسات الأمنية والنصوص القانونية التي أممت المجال العام.

جدير بالذكر أن شعور شركاء التيار الإسلامي نفسه بعدم جدوى التمسك بمطلب عودة مرسي، وتصورها للعقم السياسي لمذهبي «الشرعية الدستورية» و«الصمود الأسطوري»، هذا ما قاد عدد من شركاء الإخوان في «مشروع الهوية» إلى الانسحاب من «التحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب»3، ومن بينهم أحزاب الوسط والوطن4، وفي حينه قال المتحدث باسم حزب الوسط عمرو فاروق "إن هذا الإجراء جاء بسبب ما وصفه بالخلاف في الرؤى بين أعضاء التحالف، وإصرار كل فريق على رؤيته؛ مما أصاب العملية السياسية بالاختناق"، وإن كان لم ينزع الشرعية عن تحالف الشرعية، فأضاف "التحالف قوي ولن ينهار بخروج حزب أو آخر لأنه مجرد جهة سياسية للتنسيق بين الأحزاب"5.

كما نشر الكاتب جمال سلطان سلسلة مقالات ذيلها بمقال حمل عنوان "هكذا أصبح الإخوان عبئا على مصر في السلطة أو في المعارضة"6، في تعبير عن الجمود الذي آل إليه موقف الجماعة في الدفاع عن رؤاها على حساب الحراك الوطني.

وفي تطرف في تأويل موقف الجماعة من هذا المطلب، ذهب "بلال علاء" لتأويل هذا التمسك بأن "الإخوان لا يريدون الانتصار على انقلاب الحكم العسكري فقط، بل كتيار أيديولوجي، يريدون الانتصار على فكرة الانتفاضة ضدهم، على "30 يونيو" نفسها. ويطرح الإخوان أحيانًا -كحل وسط متوهم-أن يعود مرسي للرئاسة لمدة ساعة واحدة، يعلن فيها الترتيبات اللازمة لمرحلة انتقالية ثم يستقيل، لا يرتبط ذلك -في حقيقته-بأي تصورات عن قدسية الإجراءات البيروقراطية، بل بفكرة كسر الانتصار الرمزي لـ30 يونيو عليهم، لأن عدم كسره يعني تسليمهم بانتصارها ومعاني هذا الانتصار.

يريد الإخوان العودة لحدود 29 يونيو، ويريد العلمانيون التأسيس على 30 يونيو نفسها، وهو بالتأكيد ما لا يمكن للإخوان القبول به"7.

ولست هنا بصدد مناقشة المطلب، وأقف عند حدود تصور وجهة نظر الطرفين حول «المطلب»، ففي الوقت الذي تؤسس فيه جماعة الإخوان مطلبها بإسناده إلى الشرعية الدستورية والانتخابية، بالإضافة إلى صمود الرئيس محمد مرسي في محبسه، فإن وجهة النظر السابقة تعني أن قوى 30 يونيو "الإصلاحية" ترى أن الواقع تجاوز شرعية مطلب عودة د. محمد مرسي، وأنها ترى أن هذا المطلب يمثل إصرار الجماعة على طلب اعتذار قوى 30 يونيو عن انتفاضتهم ضد ما اعتبروه أخطاء من إدارة الرئيس محمد مرسي، ويرون أن هذا المطلب مفصلي في استئناف العلاقة بين الأطراف على أرضية المواطنة.

ومن جهة ثانية، يلمح الكاتب أنور الهواري إلى أن تاريخ مصر والعالم حافل بتصورات عن قوى مشروعة انتظر أصحابها أن تعود، ولكنها لم تعد، وهي دعوة في النهاية لتبني موقف أكثر عملانية، ويؤدي لإنتاج حراك على الأرض. ويسوق أمثلة تاريخية حول عبثية فكرة العودة، استهلها بإشارته إلى "أجيال عاشت ثم ماتت وهي تنتظر رجوع الخديوي عباس حلمي الثاني الي السلطة. عباس حكم مصر من 1892 حتى 1914، وقد عزله الانجليز عن الحكم، وكان في سفر خارج البلاد، تحولت أحلام عودته الي جزء من الفولكلور والتراث الشعبي "الله حي.. أفندينا جاي"8.

وترمي هذه الرؤية إلى أن بلورة شرط الإخوان في هذا المطلب تعني أن الجماعة إما أنها لا تريد خوض تجربة الإصلاح، أو أن خيارها ينتهي إلى طريق مسدود. بل إن نفس الكاتب في مداخلة أخرى زاد في بلورة مقصده معبرا عن التيار الإصلاحي بقوله: "الدعوة لعودة الرئيس مرسي هي -في جوهرها -مبرر كاف لبقاء الرئيس الحالي في موقعه أطول فترة ممكنة، بانتخاب أو حتى بدون انتخاب. هذه الدعوة تعيد تجديد شرعية الرئيس الحالي عند قطاعات شعبية واسعة كانت قد بدأت تنصرف عنه وتزهد فيه. هذه الدعوة سوف تمدد وتجدد وتمجد بقاء الرئيس الحالي، ولن تعيد الرئيس مرسي أبدا. هذه الدعوة -لعودة مرسي -هي أقيم هدية وأعظم خدمة يقدمونها للسيسي في توقيت هو في أشد الإحتياج لمثل هذه الهدية والخدمة"9.

ب. اليد الممدودة ومطلب المراجعة:

نشر «المعهد المصري للدراسات» قبل أيام تقريرا حمل عنوان "مراجعات تيارات 30 يونيو واحتواء الإخوان"، وعني برسم خريطة لمراجعات 30 يونيو، وإلقاء الضوء على تلكم القوى التي توجهت لجماعة الإخوان بيد ممدودة لاستيعابها داخل دائرة الحراك الرامي للتغيير السياسي، وتضمن التقرير رصدا من جانب عدد من قادة الرأي العام المصري، قلة منهم اعتذرت عن 30 يونيو، وأوضح أغلبهم أن حراك 30 يونيو لم يكن يهدف للتمهيد للانقلاب العسكري، ولم يكن يهدف لإراقة الدماء، وطالب فريق منهم الإخوان بالانضمام كـ «أفراد» لتيار الحراك الوطني الرافض لوضع مصر الراهن، والذي يرونه مأزوما على عدة مستويات، ودعا بعضهم لضرورة الإسراع بالمراجعة ليتضمن الحراك «جماعة الإخوان» نفسها10.

ج. في رسائل قوى 30 يونيو الإصلاحية:

المشهد السابق، بتقدير الباحث، يعني عدة رسائل سياسية موجهة لجماعة الإخوان بصورة أساسية، ولأعضائها بصورة ثانوية، هذه الرسائل تتمثل فيما يلي:

1. أن بواعث حراك 30 يونيو ما زالت حاضرة برغم ما آلت إليه أوضاع مصر وقواها السياسية. فما زالت قوى 30 يونيو ذات النزوع الإصلاحي، لتفريقها عن قوى النزوع المصلحي، تتخوف من النزعة الأحادية الميالة لتكريس الاستقطاب المعزز بثقافة المغالبة لدى جماعة الإخوان.

2. أن قوى 30 يونيو الإصلاحية تريد مشاركة فعالة من جماعة الإخوان في بناء الحراك الجماهيري، لكنها تتحفظ، بسبب نزوع الاحادية، حيال مشاركة الإخوان في قيادة الحراك لحين الانتهاء من مراجعات تطمئن هذه القوى لتعزيز المشاركة على أساس معروف للجميع، ووفق الأصول الفكرية للجماعة، تأسيسا على تقييم ما سبق من نمط فكر سياسي كرس الشقاق.

3. أن قوى 30 يونيو الإصلاحية قررت التمييز بين تنظيم الجماعة وبين أعضائها، وبناء عليه؛ فإن لديها نزوع لرفض الحيلولة بين الأفراد وبين الانتماء للوطن، وما يفرضه هذا الانتماء من سعي لتحسين أوضاع مصر، وبناء رؤية للوصول لهذا التحسين؛ لا تكون عرضة للإفشال بسبب نزوع أحادي أدى لتعثر مشروع يناير من قبل.

4. أن قوى 30 يونيو الإصلاحية تميل، دون إفصاح، لبناء التوافق مع الجماعة فيما يشبه قناعة بأن انتماء الأفراد لتنظيمهم سيؤدي لزيادة فاعليتهم، وأن هذا الميل تحدوه حالة حذر وتوجس تحتاج لإجراءات بناء ثقة، وأنهم لسبب أو لآخر يتوقعون أن تقدم الجماعة على ممارسة هذه الإجراءات.

5. أن هناك تنازع ما بين فريقين، يرى أولهما ضرورة احتواء الإخوان، بينما يرى الفريق الآخر، ومن بينهم قوى إسلامية، أن الجماعة باتت عبئا على المعارضة السياسية، وأن من المصلحة الوطنية تجاوزها. وربما يراهن هذا الفريق على أن أفراد الجماعة، باعتبار تربيتهم على الفاعلية والتأثير، ربما سيبارحون الجماعة وسيسعون لاكتساب عضوية التنظيمات الفاعلة.

ثانيا: التأثير على مستقبل الاصطفاف

تطور صيغ المظلة التي تحكم الشارع المصري المعارض مهمة، ونلاحظها بين كل مبادرة وأخرى بدء من «إعلان القاهرة» وحتى وثيقة «الجبهة الوطنية المصرية». غير أنه خلال مطالعة النقاشات حول الصيغة قبل الأخيرة، صيغة «نداء وطن»، أشارت صحيفة المصريون في عرضها للمبادرة أن الوثيقة "نصت على فترة انتقالية (لم يتم تحديد مدتها) عقب انتهاء حكم النظام الحالي، وتكون القرارات خلال تلك الفترة قائمة على الحوار والتوافق بين القوى الوطنية، فإن استعصت بعض المسائل على التوافق فيتم الاحتكام إلى الشعب في تلك القرارات، من خلال إجراء استفتاء عليها"11.

وهو ما يعني أن «مطلب عودة الرئيس مرسي»، سيصبح قضية مطروحة لتفاصيل البرامج السياسية، وهو ما أظنه صيغة ستقف حائلا دون تعافي المجتمع السياسي في لحظة هي الأشد حرجا في تاريخ تطور الحراك الرافض للوضع السياسي المزري الراهن في مصر.

إن نشوء الاصطفاف، يترتب عليه سيناريوهان إيجابيان اثنان، هما:

أ. السيناريو الأول: أن يقود إلى حراك عاجل، وهو السيناريو الأكثر تفاؤلا، لكنه سيناريو معزز بحالة سخط سائدة وتتعاظم، اعترف بها رأس إدارة 3 يوليو أمام الجماهير: "بيقولوا لي شرعيتك بتتراجع"12. كما أن هذا السيناريو يزداد دعما مشروطا ببدء تركز رأس مال سياسي يعوض القوى السياسية ما فقدته من شرعية «الحنكة السياسية»، وهي الشرعية التي افتقر إليها حاملو مشروع الثورة بعد أن تلاعب بهم وزير الدفاع الذي عول البعض عليه لدعم جهود التخلص من إدارة مرسي 2012 – 2013. وتعد هذه الشرعية إحدى روافد بناء رأس المال السياسي الذي يمكن البناء عليه في تطوير حراك عاقل يقود إلى تغيير واع.

ب. السيناريو الثاني: أن يقود إلى حراك آجل، تسبقه عملية تعافي للجسد السياسي المصري المثقل بجراج الفترة ما بين 2013 – 2017. وخلال عملية التعافي يمكن لعملية التدافع السياسي بين المعارضة السياسية و «إدارة 3 يوليو» أن تنتج رأس مال سياسي جديد للمعارضة بديلا لما فقدته في أعقاب «لحظة 3 يوليو»، فضلا عن أنه سيساعدها في بناء كوادر بديلة عن تلك التي فقدتها طيلة الفترة بين 2013 – 2017 عبر «الإخفاء القسري»، هذا طبعا بالإضافة للشروع في بناء «رؤية إجماع الحد الأدنى» التي ستحتاجها مصر للانطلاق في محيط إقليمي، وبناء علاقات وثيقة مع أجهزة سيادية وأمنية، وهي علاقات ضرورية لخوض غمار البحر الإقليمي متلاطم الأمواج، وتجنب ردود أفعال إقليمية مراهقة متوقعة.

غير أن هذين السيناريوهين الإيجابيين مهددان بهذا المطلب، «مطلب عودة مرسي».

وقبيل مناقشة هذه المقولة، أود الإشارة إلى أن هذا التقرير لا يبحث في تأثير وجود الرئيس د. محمد مرسي على العلاقة بين المعارضة وإدارة 3 يوليو، ولا حتى لتلك العلاقة بين جماعة الإخوان وهذه الإدارة، وهما نمطي علاقة كلاسيكيين في «التهديد» و«الهيمنة». حيث تعنى هذه الورقة بسؤال المستقبل وحده، وهو السؤال المبني على نشوء وارتقاء الحراك السياسي اللازم لتعافي المجتمع السياسي المصري، وهو الشرط اللازم ليس فقط لإحداث تغيير سياسي لهذا الوضع السياسي المأزوم، ولكنه شرط لأمر أهم، ألا وهو كبح سرعة تردي الوضع السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي في مصر.

التهديدات التي تجابه مستقبل الاصطفاف إثر هذا المطلب

هي على النحو التالي:

1. تهديد صناديق الاقتراع: لمن لم يتعلم الدرس من الفريقين، فإن تحدي صندوق الاقتراع هو أحد تحديات الانتقال الديمقراطي وليس أحد أدوات عملية التحول الديمقراطي. ففي مسار التحول، من الضروري أن تتوافق القوى الديمقراطية على رؤية وأفراد حاملين للرؤية، وأن يكونوا جميعا في صف واحد، ومن ثم، فإن اعتماد آلية صناديق الاقتراع للفصل بينهم فيما لم يتوافقوا عليه هو أول الطريق لوأد المشروع في بداياته، وبذر الشقاق بينهم، وتركهم نهبة لمنافسيهم الذين لم تطالهم يد القصف الذي باشرته إدارة 3 يوليو في حق صف مشروع يناير.

2. الأطراف غير المحسوبة على مشروع يناير: من الطبيعي حين تتيسر الأرضية المناسبة لإحداث تغيير سياسي أن تستوعب هذه الأرضية حركة سياسية لأصحاب مشروع قضت ثورة يناير على مشروعيته، فضلا عن أن نفس الأرضية ستستوعب نفس النخبة التي سعى مشروع 3 يوليو لبنائها. وفي هذا السياق، فإن أي طارئ غير محسوب العواقب، من قبيل مطلب عودة الرئيس د. محمد مرسي، من شأنه أن يؤدي لتبديد الجهود.

بالتأكيد أنا لست مع استبعاد أي فريق، خاصة وأننا ندرس سيناريوهات مستقبلية، بما في ذلك منظومة «جمال مبارك» أو «نخبة السيسي»، بالرغم من أن إفساد الأخيرين للحياة السياسية لا مراء فيه، إلا أن أسوأ الافتراضات أن السياق السياسي المتوقع سيسعهم، ما لم يكن ثمة معجزة توافقية ما زلت أحمل بعض الشك حيال إمكان توفرها.

إن استيعاب البيئة السياسية المتوقعة لكل هؤلاء تجعل من المهم الوعي بأهمية عدم ترك «قضايا تفجير» غائبة عن مسرح النقاش؛ ما يسمح لتفجرها بمفاجأة مشروع الاصطفاف في المستقبل.

3. الحماقة السياسية لبعض الأفراد من الفريقين: إن ترك حزمة السيناريوهات مفتوحة لاستيعاب المتغيرات العشوائية مهم في بناء تصور لسيناريوهات مستقبلية تتسم بقدر عال نسبيا من الاستقرار. ولا يخفى على أى مراقب أن كم المتغيرات العشوائية عال في المجتمع المصري بتأثير ما يشهده المجتمع من حالة تشظي تفتقر المعيارية المعتبرة. هذا فضلا عن حالة التعددية المفرطة المتوقع حضورها كما شهدت «لحظة يناير»، وإن بصورة أقل مما شهده عام 2011، بسبب أثر متغير «استيعاب الدرس»، ناهيكم عن تأثير السيولة الإعلامية المتوقع أن تتلقى دعما إقليميا ودوليا كذلك، لدعم حالة السيولة والتشظي تلك. ومع هذه التعددية التي قد تبلغ حد التشظي، لا يمكن أن تضمن الحركة السياسية المصطفة غياب أية حماقة سياسية قد تسفر عن انهيار الاصطفاف في أشد لحظات احتياج شركائه لتماسكه.

4. تمكين رأس المال السياسي: إن تغييب الاتفاق على القضايا التي يعتبرها الجميع «قضايا حيوية» من شأنه أن يحرم حالة الاصطفاف كذلك من دعم جماهيري وحتى دولي مستند إلى ثقة في وجود قدر معتبر من التماسك والثبات في بنية الاصطفاف، والذي لا يمكن اعتباره بنية ثابتة ومستقرة حتى الآن.

ثالثاً: سيناريوهات التعاطي مع المطلب

من المهم في هذا الإطار أن نلفت لأهمية بناء «حوار وطني» حول هذا المطلب تأسيسا على الاعتبارات المذكورة عالية. ومرد هذا الحوار المطلوب يرجع لعدم وضوح جدوى التمسك بهذا المطلب، انتهاء إلى ما سقناه من قبل من نظر لعلاقة هذا المطلب من وجهة نظر بعض الإصلاحيين بزيادة شرعية إدارة 3 يوليو. ويمكن القول بأن ثمة 6 سيناريوهات على الأقل يمكن أن تنبت إثر استمرار هذا المطلب والجدل بشأنه ضمن دائرة الضوء خلال الفترة القادمة، يمكن الإشارة إليها فيما يلي:

1. سيناريو نجاح الإخوان في إقناع الدوائر الإصلاحية بين قوى 30 يونيو بجدوى المطلب، أو جدوى العودة المقتضبة التي طرحت من قبل، وهو ما يعني أن تأخذ حالة الحراك منحى جديدا. وترجيح الكاتب أن هذا السيناريو بالغ الصعوبة.

2. سيناريو نجاح القوى المدنية في إقناع الجماعة بعدم جدوى المطلب، وهو ما يعني انخراط الجماعة (جبهة الحرس القديم) ضمن دائرة الحراك العام، وهو ما يعني بداية الاتجاه نحو مواجهة الدعاية الموجهة للقواعد الجماهيرية بزيف ما تروجه الماكينة الدعائية لإدارة 3 يوليو عن الجماعة وأعضائها. غير أن قبول نتائج هذا السيناريو توجب أن يحظى المنخرطون في هذه الحالة الحوارية بمشروعية تمثيل الجماعة، وإقناع قواعدها بما أسفر عنه الحوار.

3. سيناريو الانقسام، وهو سيناريو يصل فيه قطاع من الجماعة، قادة وأفراداً، إلى قناعة بأنه لا جدوى من المطلب، وأنه دائم الانتهاء إلى حائط مسدود، وأن السعي لتغيير الأوضاع المأزومة في مصر يقتضي اتخاذ موقف التحفظ حيال هذا المطلب.

4. سيناريو تفلت العضوية، وهو سيناريو تحدث فيه فجوة بين قيادات الجماعة بتياراتها وبين القواعد التي تبحث عن الفاعلية وقد ترى بصيص ضوء في نهاية مسار تحالف القوى الإصلاحية المدنية والقوى الإسلامية الخارجة عن تحالف دعم الشرعية، ما يؤدي إلى تساقط عضوية الجماعة لصالح القوى السياسية الإسلامية، أو حتى البقاء بدون انتماء لتنظيم سياسي مع الالتحام بالحركة الحثيثة.

5. انغلاق التنظيم على نفسه بصورة مؤقتة، وانتظار تغير الوضع في مصر بفعل حركة شعبية، أو بفعل الحراك المدني، حتى يمكن لأعضائه العودة لمصر، والنظر في قناعاتهم حيال التنظيم، إما استمرار أو تجديدا أو تغييرا. وفي المقابل، فإن هذا السيناريو يعني أن مركب القوى المدنية -الإسلامية ستختار أن تسلك المسار التغييري بمفردها، أيا كانت نتائجه.

6. استمرار النهج التوفيقي، وهو سيناريو يقوم على افتراض اتساع نطاق قبول الإطار المطروح حاليا للتنسيق بين القوى، والمقصود به «الجبهة الوطنية المصرية»، مع بذل الوسع في منع التداعيات السلبية لتغييب الحوار حول هذا المطلب. غير أنه من المحتمل أن يتوافق الجميع في المستقبل على طرح هذا المطلب لنقاش جاد (13).

-------------------------------

الهامش

(1) فهمي هويدي، يوم انتصر الخوف، موقع صحيفة الشروق، 17 يونيو 2017. https://goo.gl/5g7BTV

(2) جمال الجمل، الجبهة الوطنية المصرية.. شكوك وأمنيات، موقع عربي 21، 5 يوليو 2017. https://goo.gl/2Wz8KD

(3) يضم التحالف الذي تأسس في الخميس 27 من يونيو لعام 2013 عدة قوى سياسية، هي: حزب الحرية والعدالة، وحزب البناء والتنمية، والجبهة السلفية، وحزب العمال الجديد، وحزب الفضيلة، وحزب الإصلاح، وحزب التوحيد العربي، والحزب الإسلامي، وحزب الراية، واتحاد النقابات المهنية (ويضم 24 نقابة مهنية)، واتحاد طلاب جامعة الأزهر.

(4) حمدي دبش، مصادر: التمسك بعودة مرسي وراء انسحاب «الوسط والوطن» من «دعم المعزول»، موقع صحيفة المصري اليوم، 19 سبتمبر 2014. https://goo.gl/6XB7wj

(5) رمضان عبد الله، ماذا وراء انسحاب حزب الوسط من تحالف الشرعية؟، الجزيرة نت، 1 سبتمبر 2014. https://goo.gl/u2CqJk

(6) جمال سلطان، هكذا أصبح الإخوان عبئا على مصر في السلطة أو في المعارضة، موقع صحيفة المصريون، 2 يوليو 2017. https://goo.gl/6dZiBH

(7) بلال علاء، لماذا لم يتخل الإخوان عن مرسي؟، موقع ألترا صوت، 16 ديسمبر 2015. https://goo.gl/GAj4Ef

(8) أنور الهواري، مداخلة: في انتظار عودة الحاكم، حسابه الشخصي بموقع فيسبوك، 5 يوليو 2017. https://goo.gl/e3ERj6

(9) أنور الهواري، مداخلة: هدية الإخوان للسيسي، حسابه الشخصي بموقع فيسبوك، 6 يوليو 2017. https://goo.gl/otxWzn

(10) وسام فؤاد، مراجعات تيارات 30 يونيو واحتواء الإخوان، المعهد المصري للدراسات، 5 يوليو 2017. https://goo.gl/xE9UgG

(11) تفاصيل وثيقة "نداء وطن" وموقفها من "مرسي"، موقع المصريون، 13 مايو 2017. https://goo.gl/nteJs6

(12) تامر هنداوي، السيسي يعترف بتراجع شعبيته، القدس العربي، 24 مايو 2017. https://goo.gl/Sb6DX4

(13) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن "المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية".

أعلى