بناء الدولة: المفهوم والنظرية وأسئلة الراهن
بحوث ودراسات > بحوث ودراسات سياسية

بناء الدولة: المفهوم والنظرية وأسئلة الراهن

محمّد أمين بن جيلالي
أكتوبر ١١, ٢٠١٦

ملخص:

ارتبط تغير مفهوم بناء الدولة بتحول السياقات التي فَرضت بدورها المراجعة النقدية؛ وبالتالي التطور النظري والمنهجي لدراسة هذه الظاهرة، الأمر الذي جعل المختصين (من علماء السياسة المقارنة) في متابعةٍ مستمرةٍ للمستجدات الحاصلة، خاصة ما أفرزته العولمة من تحديات كلحظة تاريخية حاسمة. من ثمّ، برزت ضرورةٌ ملحّةٌ لإعادة النظر في مرتكزات وخصائص بناء الدولة، ومستويات تحليلها. لكن في المقابل، لم يبقى ذلك إلاّ طموحاً نظرياً، وضع أنصار النظرية السياسية المعاصرة (هابرماس- راولز) على الوِجهة الإجرائية في دراسة هذه الظاهرة، وذلك بهدف الإجابة عن أسئلة الراهن وإعادة بناء الدولة النموذج وُفقاً لمعيار الاستجابة لاحتياجات الفرد والمجتمع.

الكلمات المفتاحية: بناء الدولة، إعادة البناء، السياق، النموذج الليبيرالي، أسئلة العولمة، السياسة المقارنة، النظرية السياسية المعاصرة.

 

مقدمة:

فرض سياق العولمة تحدّياً نظرياً تمَثل في عدم تطابق المفهوم مع الواقع الراهن، نظراً لكثافة المتغيرات الجديدة التي طرحها هذا السياق، حيث أدرك المتخصصون في دراسة هذه الظاهرة، ضرورة إعادة النظر في مفهوم بناء الدولة، لكن ذاك يظلُّ طموحاً نظرياً بعيداً عن التحقق الفعلي، ما لم يُدرك الباحث أننا بصدد الحديث عن انحسار النموذج الليبيرالي الغربي وانخفاض درجة قبوله في معظم الدول النامية، في مقابل بروز نماذج محلية وبديلة في هذه الدول، ما يعكس جزئياً علاقات القوة والحقائق العالمية. بناء الدولة بين الثابت والمتغير؛ طَرحت هذه الثنائية أسئلة مُزمنة ظلّت عالقةً إلى اليوم على الأصعدة التالية: السيادة، القانون الدولي، مبدأ عدم التدخل، إعادة تصميم قدرات الدولة ووظائفها، حافز البناء، إلخ. للوصول إلى المفهوم الحقيقي لبناء الدولة، ينبغي تتبع هذا المفهوم نظرياً وواقعياً في خضم التغيرات الراهنة. إذن، ما هو التطور النظري والمنهجي لبناء الدولة حسب علماء السياسة المقارنة؟ وما هو البديل المنهجي الذي طرحته النظرية السياسية المعاصرة كمقاربة لمعالجة الظاهرة؟

 

أولاً: مفهوم عملية بناء الدولة (State-Building): المؤشرات والغائيات

یُعدُّ مفهوم عملية بناء الدولة تقليدياً وحديثاً في آن واحد، إنّ المفهومالتقليديالذيسادفي فترة ما بعد الحرب العالميةالثانية وحتى نهاية الحرب الباردة،والذيتزامن مع موجة استقلال الدولمننير الاستعمار، كان یُراد بهإقامة مؤسساتمستقرة، تستهدف تحقيق التنمية الاقتصاديةوالاجتماعية والثقافية والتحرر من التبعيةوالاستعمارالجديد، وتحقيق الأمن وصياغة دساتيروهياكل سياسية تقود عملية التنمية. إلاّ أنّ مفهوم عملية بناء الدولة الذيشاعاستخدامه بعدالحرب الباردة، ركّزعلىإعادةبناء الدولة الفاشلة التي أصبحتمصدراً لتهديدالأمن والسلموالاستقرار في العالم، وكذلك على قضايا الديمقراطيةوحقوق الإنسان والمشاركة، والإصلاح السياسيوالاقتصادي، ومنثمّیتوجّب على الأمم المتحدةوالدولالديمقراطية الاهتمام بشأنهذهالدول ومساعدتها على إعادة بناء ذاتها،وذلك من خلال إعادةهندسة هذهالدول سياسياً واجتماعياً،لتمكينهامن تحقيق الأمن والديمقراطيةوالاستقرار الداخلي. فهندسةبناءالدولةالتي برزتبعدالحرب الباردة،صاحبتانهيارالدولة في مناطق عدةمن العالم وانطوى انهيارهاعلىبروزأخطارتُهدّدالأمن الدولي1.

بناءً على ذلك تباينت التعريفات حول عملية بناء الدولة نظراً لتداخل مرتكزاتها من جهة، واختلاف السياق الزماني والمكاني الذي برزت فيه العملية من جهة أخرى، لكن يمكن التركيز على أهم التعريفات النظرية التي تصبّ اهتمامها في غائيات بناء الدولة (State-Building Teleological) بما يخدم الدراسة، فيُعرّفها فرانسيس فوكوياما (Fukuyama Francis، ولد 27 أكتوبر 1952، فيلسوف واقتصادي سياسي أمريكي) بأنّها: «تقوية المؤسسات القائمة وبناء مؤسسات جديدة فاعلة وقادرة على البقاء والاكتفاء الذاتي ما يعني أن بناء الدولة هو النقيض لتحجيم الدولة وتقليص قدراتها»2. وهذا المعنى يُحيل إلى عملية بناء مؤسسات الدولة وأجهزتها على أطر قانونية منبثقة من الواقع، للقيام بالوظائف التطورية للنظام من تغلغل وتكامل وولاء والتزام ومشاركة وتوزيع، وتجسير الفجوة بين الحاكم والمحكومين، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار السياسي3.

ویذكرتشارلزتيلي (Charles Tilly، عالم سياسة أمريكي، له مقال: «صناعة الحرب وبناء الدولة بوصفها جريمة منظمة»4) عام 1975 علىأنّ بناء الدولة: «هي عملية إقامةمنظماتمركزية مستقلةومتمايزة، لهاسلطة السيطرة علىأقاليمها،وتمتلكسلطةالهيمنة علىالتنظيماتشبهالمستقلة «5. أيضاً يشير التقريرالأوروبيحولالتنميةلعام2009 بأنّ هذه العملية تركز علىبناء شرعيةمؤسساتالدولةوقدرتها على تقديمالخدمات الأساسية لمواطنيها: الأمن، والعدالة،وسيادة القانونفضلاًعنالتعليموالصحةالتيتلبيجميعها تطلعاتالمواطنين6. لكن هذه القدرةتظلنسبيةوتختلفمندولةإلى أخرى،بلوتختلففيالدولة نفسها من حقبة إلىأخرى. وهذاما یَبرزُجلياً في تباينمستوياتقدرات الدول على حفظ الأمنوإنجازالرفاه الاجتماعيوالاقتصادي للمواطنين7.

وحسب معهد التنمية لما وراء البحار (Overseas Développent Institute) عملية بناء الدولة تتجه إلى الإجراءات التي تتداولها الأطراف الدولية والوطنية الفاعلة لإنشاء وإصلاح أو تعزيز مؤسسات الدولة. وهو مصطلح يتعلق بالعملية السياسية الفعالة للتفاوض حول المطالب المتبادلة بين الدولة والمواطن من جهة، وطبيعة العلاقة التي تربط الدولة والمجتمع من جهة أخرى8.

وفي نفس السياق تُعرّف مؤسسةالتعاونالاقتصادي والتنمية بناءالدولةبأنها:» عمليةذاتية لتعزيزقدرات ومؤسسات وشرعيةالدولة من خلال علاقاتالدولة بالمجتمع»9. من هناإذن، يخضع موضوع بناء الدولةللاحتياجات الداخلية والضغوطات الخارجية10.

أما المنظور التاريخي الإمبريقي (Empirical historical perspective) لعملية بناء الدولة يرى أنَ هذه العملية هي نتاجٌ للجهود التاريخية لمواجهة سلسلة من المشاكل الحاسمة مثل: الدفاع ضد العدوان الخارجي، والحفاظ على النظام الداخلي، وتوفير الأمن الغذائي. لقد ساعدت الطريقة التي تمّت بها معالجة هذه المشاكل على تفسير الاختلافات بين المؤسسات السياسية للدول وأثبتت أنّ عملية بناء الدولة تميل لأن تكون عملية عامة تتطلب تركيز القدرات الاستخراجية والتنظيمية والتوزيعية، الأمر الذي يتطلب وجود سلطة وقوة قسرية لاستخراج الموارد وتنظيم السلوك11.

وعليه يتضح من خلال المفاهيم السابقة، أنّ عملية بناء الدولة (State-building process) تتميز بمجموعة من الخصائص، تتقاطع فيها مع المؤشرات التي تميز مفهوم التنمية السياسية12، وهذه المؤشرات تُحيل على المفهوم الإجرائي، الذي يمكن اختصاره في المميزات التالية:

1ـ العملية (process)؛ أي تطور وليست مرحلة (Stage) أو درجة بمعنى أنّ التغيير يُشير إلى مجموعة من التطورات أو التغيرات التي تحدث في هيكل ووظائف الأبنية السياسية المختلفة، والتفاعلات والأنماط السياسية المرتبطة بها. مع ملاحظة أنّ النظر إلى عملية بناء الدولة لا يعني بالضرورة رفض فكرة وجود مراحل في إطار هذه العملية.

2ـ الديناميكية (Dynamic)؛ أي أنّها لا تعرف نقطة تنتهي عندها، فهي تقتضي وجود استمرارية وحركية دائمة من طرف الهياكل السياسية، بهدف تطوير النظام السياسي لملائمة ذاته وأبنيته مع الظروف والتغيرات الجديدة.

3ـ النسبية (Relative)؛ كونها تكتسب مضامين متباينة بتباين البيئات الثقافية والحضارية ونسق القيم السائدة، وذلك أنّ بناء الدولة كعملية لا تتم في فراغ ولكنها ضمن إطار تاريخي وحضاري وثقافي.

4ـ الحياد (Neutrality)؛ من حيث دلالته الأخلاقية أو الشكل السياسي الذي يتخذه النظام العام (السياسي والاجتماعي)، فالدراسة العلمية والموضوعية لعملية بناء الدولة لا تكون بالافتراض أنّها عملية حتمية سواء من حيث حدوثها أو سرعتها أو نتائجها، بل هذا ما يُحدّده الإطار التاريخي والمجتمعي للعملية داخلياً وخارجياً.

5ـ العالمية (universality)؛ بمعنى أنّ هذه العملية تحدث في كل المجتمعات والنظم السياسية وبأشكال مختلفة، وصفة العالمية تصبح نتيجةً مترتبةً على اعتبارها عملية، كون عملية البناء تتفاوت من حيث الوتيرة ودرجة الإنجاز من الدول النامية إلى الدول المتطورة والأكثر تطوراً.

ترتيباً على ما تقدّم، فإن عملية بناء الدولة تدلّ على مسار سياسي بالدرجة الأولى، مضامينهوأهدافه تختلف بحسب القائمين علىتلك العملية،وأهدافهم ومصالحهمومذاهبهم،وبحسبالسياق الاجتماعي والاقتصادي السائد خلال عملية البناء13. وعليه يتضح وجود أبعاداً ترمي هذه العملية إلى تحقيقها وُفقاً للتباين في السياقات البيئية. بناءً على ذلك، يمكن القول أنّ عملية البناء كمفهوم ارتبطت بنمط الدولة التي تسعى إلى إيجادها. إنّ هذا التباين الأنطولوجي الذي فرض تعاريف ابستيمولوجية متعددة حول الظاهرة لدليل واضح على دينامية مفهوم بناء الدولة على المستوى النظري والمنهجي.

 

ثانياً: التطور النظري والمنهجي لمفهوم عملية بناء الدولة:

انطلاقاً من الفكرة السائدة في حقل المنهجية «المفهوم يُؤسّس للنظرية، والنظرية هي انعكاس للممارسة، أيضاً هي بناء مفاهيمي واضح ومُحدّد ومتّسق ضمن نموذج معرفي»، تُساورنا مساقات واقعية ومعرفية لعملية بناء الدولة. فقد تحول مفهوم "عملية بناء الدولة" معرفياً من المدرسة الدستورية إلى التحليل النسقي تبعاً لمنطق الثورة العلمية عند توماس كوهن. ونفس المنطق تكرّر داخل المنعطف ما بعد السلوكي، ومع مدرسة التحديث والمنظور التنموي أيضاً في المؤسساتية الليبرالية الجديدة ونظريات الخيار العقلاني.

إنّ النظرية التقليدية لعلم السياسة تفترض أنّ وحدتها الدراسية الكبرى هي الدولة، ولكن هذه النظرية تتهاوى الآن أمام نظرة جديدة تعتبر أنّ حصر البحث السياسي بالدولة هو تضييق له، لأنّ هناك أنظمة سياسية قَبَلِية، تتجلّى فيها الظاهرة السياسية وتُمارس فيها السلطة أو القدرة بدون أن تكون القبيلة دولة بالمعنى القانوني المصطلح عليه، ويمكن اعتبار هذه النظرية الجديدة ثورة منهجية، ولذلك يُرجّح الآن في تعريف النظام السياسي الاعتبار الاجتماعي على الاعتبار القانوني أو الدستوري14.

وتكمن الخلفية المعرفية لذلك، في أنّ النظرة الدستورية التقليدية لبناء دولة المؤسسات، برزت حينما بدأ المشتغلون بالحقل يركزون جهودهم على البناء الدستوري والمتغيرات القانونية والمؤسسية، حيث سادت خلال هذه المرحلة، النزعة المعيارية (Normative) والنظرية الفلسفية القائمة على النمطية (الشكلية)، والتاريخية. لقد كانت المثالية هي السائدة في الطرح نظراً للبحث عن تجسيد دولة القانون التي كان يُعتقد أنّها ستمكّن الفرد الأوروبي أو الأمريكي من تخطي ويلات الحرب العالمية الأولى وما خلّفته على البنية الاقتصادية والسياسية للدولة.

على الضد من ذلك، جاء التحليل النُظمي النسقي كتحدّي مُقاوم للنظرية الدستورية التي أعطت أهمية بالغة للبنية والهيكل، وأهملت تحليل حركية النظام السياسي. فالسلوكية ترى بأنّالتفاعلات التي تتمفي إطارهذا النظام، تمثل الدَولةأحد أشكالها15. وذلك يتم في إطار العملية السياسية التي تضبط تفاعلات النظام ليصل بها في النتيجة إلى الهدف المطلوب (بناء الدولة)16.

 

لقد انطلق ديفيد إيستون (David Easton، عالم سياسة أمريكي، في كتابه: «تحليل النظام السياسي») من فرضية أنّ بناء الدولة في جوهرها هو عملية سياسية (Process Political) لأنّ النظام السياسي في حالة حركة تفاعلية دائمة مع البيئة الداخلية والخارجية. والغايات التي وُجدت من أجلها الدولة تجد أصولها المعرفية ضمن نموذج "التحليل النسقي"، فالتأييد أو المساندة قد تكون مُوجهة للمجتمع السياسي والنظام أو الحكومة، وهذه المستويات الثلاثة هي نفسها مستويات الشرعية عند ماكس فيبر، فالمساندة هي المرادف للشرعية17، من حيث أنّ التأييد يوفر الطاعة والولاء للنظام السياسي. أما الاعتماد المتبادل الوظيفي بين مكونات النظام السياسي (الأدوار والجماعات، الحدود، المدخلات والمخرجات، التمايز، إلخ.) فيهدف إلى تحقيق حالة من التوازن السياسي والتكامل والاستقرار18.

من جهة أخرى، يركز جابريل ألموند (Gabriel A. Almond، 1911-2002) على الجانب العلماني لبناء استقرار الدولة، فيربط بين استقرار النظام وتكيفه وإتباعه نموذج الديمقراطية الليبيرالية التي تَبرز صورتها في الديمقراطية «الأنجلو-ساكسونية»، وتتميز هذه الأنظمة بثقافة علمانية سياسية مستقرة تعبر عن هوية وطنية موحّدة19.

أما عن النموذج الاتصالي عند كارل دويتش Karl Wolfgang Deutsch)، 1912-1992، صاحب: كتاب «عصب الحكومة») فينظر لعملية بناء الدولة على أنها عملية اتصالية (Process Communication) مركزها مسألة بناء الثقة في تدفق المعلومات ونقلها من القمة إلى القاعدة والعكس. والدولة هي قرار ونظام ضبط، يعتمد على تبادل الرسائل في الشؤون الداخلية والخارجية للدولة20.

 

من هنا يتضح أنّ الدراسة النسقية (Systemic Study) لبناء الدولة كعملية سياسية (تقوم على بناء الشرعية، والاستقرار والقدرة والتكامل)، جاءت كرد فعل على الأزمة التي حلّت داخل علم السياسة، بمعنى آخر الحقبة التي سادت فيها الثورة السلوكية (Revolution Behaviorism) في مواجهة الافتراضات الدستورية، حَكم هذه المدرسة ما يُدعى بالإمبريقية العلمية في سياق كانت فيه الفلسفة الوضعية هي الحَكم الفاصل في قضايا العلوم الإنسانية. في هذا المسار أصبحت تُعرّف بناء الدولة إجرائياً كعملية وُفق مؤشرات تُقاس بها درجة البناء في مقابل مدى الهشاشة.

لقد انبعث التأسيس النظري لتحديات وأزمات بناء الدولة ومُتطلبات مواجهتها مع والت روستو (Rustow) الذي يرى من خلال المنظور التحديثي والتنموي أن التحديث السياسي يرتبط بمصطلح القومية وأهم جوانب التحديث في رأيه هو تطور الشعور القومي وظهور الدولة القومية، فالتحديث السياسي يتضمن التغيرات التي تحدث في القيم والاتجاهات والنظم والبناءات بهدف إيجاد نظام سياسي متكامل وبناء دولة المؤسسات21.

 

أيضاً يحدد صامويل هنتنجتون (Samuel Phillips Huntington 1927-2008، «النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة») داخل هذا المنظور، ثلاثة مقومات للحداثة السياسية: ترشيد السلطة، والتمايز الهيكلي، والمشاركة السياسية. هذه المقومات هي بمثابة متغيرات لعملية بناء الدولة عند هنتنجتون، والتي ترتبط بالعوامل التحديثية:

  • بناء سلطة سياسية قوية واحدة تكون عامة علمانية محل السلطات التقليدية والدينية والأسرية والعرقية.
  • تطوير الأبنية السياسية والفصل بين الوظائف السياسية، وتتضمن هذه العملية توزيعاً للموارد على أساس الإنجاز وليس المحاباة، وترتبط أيضاً هذه العملية ببناء المؤسسات.
  • توسيع المشاركة السياسية في المجتمعات التي تحترم مبدأ المساواة22.

لقد فضّلت المدرسة التحديثية التركيز على المتغير الاجتماعي والاقتصادي في عملية بناء الدولة، بالإضافة إلى اعتماد معايير الترشيد: بناء الثقافة السياسية، التأسيس للسلطة بالتمايز البنائي، العقلانية، التخصص الوظيفي. كان التحليل السائد في المرحلة ما بعد السلوكية مع مدرسة التحديث والمنظور التنموي، هو التحليل ما بعد الوضعي الذي يُعطي أهمية كبيرة للقيم والثقافة داخل المجتمع في ارتباطها بالتنمية، سعى الباحثون خلال هذه الفترة إلى إرساء مقومات دولة الرفاه.

بعد ذلك، ومنذ خمسة عشر عاماً برزت المؤسساتية الجديدة (New Institutionalism) بمدارسها الفكرية الثلاثة؛ المؤسساتية التاريخية، المؤسساتية الاجتماعية، مؤسساتية الخيار العقلاني. كل هذه الاقترابات جاءت كرد فعل على المنظورات السلوكية، وكلها تهدف إلى شرح وتفسير الدور الذي تلعبه المؤسسات في المخرجات الاجتماعية والسياسية23.

ضمن هذه الاقترابات يوجد اختلاف في التعاطي مع مشكلة اختيار الآليات المؤسساتية لعملية بناء الدولة، فمؤسسية الخيار العقلاني تعتبر هذه العملية على أنها عملية بناء خيارات من خلال القواعد (أعراف الخلاف والجدل)؛ أما المؤسساتية الاجتماعية لبناء الدولة محوره بناء خيارات وحسابات المصلحة من خلال الإجراءات، الروتين والهياكل؛ والمؤسساتية التاريخية التي تدعو إلى بناء الخيارات، تكوين الأهداف بواسطة القواعد، الأبنية، الأعراف والأفكار24.

وعليه، جاء منطق المؤسساتية الليبرالية الجديدة للتركيز على إنشاء وبناء قدرات المؤسسات، بمعنى آخر البحث في بناء قدرة مؤسسات الدولة على توفير الظروف الملائمة للتنمية التي يقودها السوق. وذلك بتوجيه قدرة مؤسسات الدولة إلى المجالات التالية: الإدارة الاقتصادية، السياسات الهيكلية، وسياسات الاندماج الاجتماعي، العدالة وإدارة القطاع العام ومؤسساته، ويتم تقييم القدرات وُفقاً لمعياري الهدف والتقنية، وذلك في ظل مشاكل التنمية التي تواجهها الدول الهشة وهي ضعف سياسات الحكم ومؤسساته الذي يدعم الأداء الفعال للأسواق كما ظهر في نفس السياق «النيو-ليبيرالي» اتجاه يدعو إلى ربط الديمقراطية ببناء القدرات25.

إذن، بناء قدرات مؤسسات الدولة؛ هو عملية بناء خيارات من خلال نظم مؤسساتية، وقد تزامن هذا الطرح مع بروز نظريات الخيار العقلاني والتي جاءت كمحصلة للثورة العلمية الثانية في حقل السياسة المقارنة، حيث أضفى ذلك على عملية بناء الدولة بعداً استراتيجياً عقلانياً، وفرضَ نسقاً معيّناً يجعل عملية البناء تتم من خلال اختيار بديل أمثل من بين البدائل الممكنة، هذا الاختيار قائم على حساب اقتصادي محض (أقل خسائر بأقل تكاليف في وقت قياسي). ولكن لم ترق هذه التصورات إلى مَصاف المقاربة العلمية الشاملة للظاهرة لأنّ كل مدرسة أو منظور ركّز في تحليله على متغيرات مُحدّدة، فرضها سياق معيّن، إلا أن ما أفرزه الواقع الراهن للدولة في ظل العولمة من مشكلات وتحديات، يجعلنا نختبر مدى القصور التحليلي للافتراضات التي وردت في المنظورات السابقة.

 

ثالثاً: ظاهرة بناء الدولة وأسئلة الراهن: مشكلات وتحديات

اتجهت دراسات عديدة خلال العقدين الأخيرين، إلى إلقاء الضوء على أهمية الدولة والمؤسسات، وذلك رغم استمرار الاتجاه الذي ركز على الأساس الاجتماعي، وجاءت هذه العودة للاهتمام بالدولة تحت إلحاح عوامل عديدة، من أبرزها: تعقيد وتضخم السلطة السياسية في المجتمع المعاصر، عدم استقلالية الدولة في النظام العالمي، أيضاً انعدام استقرار الدولة وضعفها الذي مثّل سمة هيكلية لكل نظم الدولة في العالم الثالث26.

لقد شهد العالم معنهاية ثمانينيات القرنالماضيتحولاتدوليةكبرى سياسية، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، أمنية وتكنولوجية، لم يسلم موضوع الدولة من التأثر بها سواءً علىمستوى الممارسة أو النظرية،فما زالت الكتابات تتوالىعلىمعالجةموضوع نشأةالدولة وبنائهاووظائفها والتحدياتالتي تواجهها،والافتراضات التيتقومعليها، وطبيعتها ومستقبلها في ظل التغيرات الجارية. لقدأدتالعولمة إلى مراجعةجملةمنالمفاهيم وإعادة تعریفها في ضوء التطوراتوالمستجداتالتي یشهدها العالم، ومن هذه المفاهيم مفهوم عملية بناء الدولة ومكوناته الأساسية كوظائف الدولة، والسيادة، والسلطة27.

وقديماً ساد جدل فكري بين توماس هوبز والدستوريين حول السلطة المركزية وضروراتها القانونية والسياسية، وقد نتج عن هذا الجدل التساؤل التالي: كيف نُسيّر الحكم دون أن نَهدم السيادة؟28، وهو نفس الإشكال النظري الذي واجه عملية بناء الدولة في سياق تحديات العولمة. فقد سادت الدولة القومية باعتبارها الوحدة السياسية المهيمنة في العلاقات الدولية من القرن التاسع عشر حتى الموجة الثالثة للعولمة. لكن لم تعد الدولة الفاعل الوحيد ويرجع ذلك إلى العوامل التي تتحدى بشكل متزايد الحكم الذاتي والقدرات الوظيفية للدولة القومية، وما تشهده الساحة السياسة الحالية من تعقيد غير منظم (الشركات عبر الوطنية والمنظمات غير الحكومية) وتهديدات أمنية عابرة للحدود الوطنية (الإرهاب، الجريمة المنظمة، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، والمرض، التهديدات البيئية، إلخ.). كل ذلك، ساهم في تقويض سلطة الدولة وبروز تحدي التسلسل الهرمي لها باعتبارها استراتيجية من أعلى إلى أسفل داخل الدولة القومية. ويُنظر للعولمة الاقتصادية باعتبارها القوة التي تهدد أكثر ما تهدد سلطة الدولة القومية29. بالإضافة إلى منطق الاستحواذ على الدولة، وعدم استقلالية القرار السياسي، ويُساعد على ذلك حداثة أو عدم استكمال البناء المؤسسي والإطار القانوني30.

ويرى أنصار النظرية النقدية في هذا الصدد أن هناك بُعدين أساسيين يتحديان سيادة الدولة نتيجة لعولمة علاقات الإنتاج والتبادل. فمن ناحية هناك دعوة للاهتمام بالأخلاق العالمية والتي منشأنها زيادة دور السلطات فوق الدول القومية. ومن ناحية أخرى الدعوةإلى تقليص النفوذالذي تمارسه الدولة ذات السيادة على الجماعات المحلية والثقافات التابعة ومن ثم زيادة دور الجماعات المحلية.

على الرغم منالدعواتالتيتناديبتقليصدور الدولة، إلاّ أنّ دورها سيبقىمهماًفيدول العالم الثالث31. وحتى في الدول الرأسمالية القوية، وخير مثال علىذلك دورالدولة في الولايات المتحدة الأمريكيةفي دعم البنوك والمؤسسات المالية والتأمينية في سبتمبر2008. فلم يعد تدخل الدولة مقتصراً على الدول النامية فيما يتعلق بقضايا الرعايةالاجتماعية والتنمية الاقتصادية، بل أصبح سمةً تُلازم الدول الرأسمالية الليبرالية التي ترفع شعار الليبرالية الجديدة ومنطق السوق. لكن في المقابل هناك من الباحثين من يفترض أنّ العولمة ليست سبباً مباشراً في عملية بناء دول جديدة، فمنذ عام 1990، تشكلت 33 دولة، معظم هذه الدول الجديدة هي نتيجةً لانهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك يوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا، في حين أنّ أصل بعضها يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإنهاء العملية الاستعمارية.

ومن الواضح، إذن، أنّ أسباب خلق هذه الدول في العقود الماضية، التي تُنسب بالاسم إلى فترة العولمة، لم يكن كذلك بل هي أعمق تاريخياً. ويمكن للعولمة، مع ذلك، أن تساعد في عملية بناء دولة جديدة، من خلال إدخال تحسينات في مجال الاتصالات وآليات المخابرات والتي يمكن استخدامها للتعبئة السياسية والإعلامية وحتى الاقتصادية للعولمة والتأثير على الرأي العام المحلي والأجنبي، إضافة إلى البعد التكنولوجي، ويمكن بذلك فقط أن تُعتبر العولمة كعامل مساعد على خلق دول جديدة وليس سبباً مباشراً في ذلك32.

وفي إطار التقييم النقدي للعلاقة بين القانون الدولي والسياسة الدولية في عملية بناء الدولة، ودور القانون الدولي كأداة لتحقيق التطوير المؤسسي المطلوب في الدول الضعيفة. لاحظ الخبراء أنّ مفهوم عملية بناء الدولة اختُرع لغرض التعامل مع المشاكل المؤسسية في مرحلة ما بعد الصراع أو لاستعمار المجتمعات. وعليه فعملية بناء الدولة، في التعريف، تعني أنّ بعض الجهات الخارجية الفاعلة هدفها من هذه العملية السيطرة على بعض صلاحيات السلطة السيادية، ويمكن أن نرى أمثلةً واضحةً لمثل هذه الترتيبات في حالات البوسنة والهرسك أو كوسوفو. وفي هذا الصدد يُحدّد تشسترمان Chesterman عام 2004 عملية بناء الدولة كمشاركة دولية مُوسّعة (في المقام الأول، من خلال الأمم المتحدة) التي تتجاوز عمليات حفظ السلام التقليدية وبناء السلام، ويتم توجيهها في بناء أو إعادة بناء مؤسسات الحكم القادرة على تزويد المواطنين بالأمن المادي والاقتصادي.

وهذه الحقيقة تعكس التساؤل التالي: هل هناك أنشطة قانونية أساسية سارية المفعول محدِّدة لعملية بناء الدولة بموجب القانون الدولي؛ وهل هناك آليات سليمة تُخضع الفاعلين الدوليين للمساءلة فيما يخص تطبيق الإجراءات خلال هذه العملية؟33 ماهي دوافع الجهات الدولية من أجل عملية بناء الدولة؟، هل هي تاريخية، جغرافية وسياسية وثقافية أم هي الاعتبارات الأمنية أم الإنسانية؟ هل لا زال مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول قاعدة من قواعد القانون الدولي؟34

إنّ الدور المطلوب من القانون الدولي هو تحسين عملية بناء الدولة، صحيح أنّ هذه العملية يمكن أن تكون ناجحة فقط إذا توفر لديها الدعم المحلي، في حين أنه سيكون مُكلفاً وغير فعالٍ على خلاف ذلك، والأمثلة من كوسوفو والبوسنة والهرسك لا تؤكد هذه الفرضية، رغم أنّ هذا لا يُقوّض عملية بناء الدولة كفكرة أو مشروع. فوُفق روبرت باستور Robert Pastor، فإنّ التحدي الحقيقي للقرن الواحد والعشرين ليس الإطاحة بالأنظمة القمعية وعملية بناء الدول الديمقراطية، ولكن من وجهة نظر القانون الدولي، ينبغي صياغة معايير واضحة والتي تنص تحت أيّ ظرفٍ يمكن للمجتمع الدولي فرض عملية بناء الدولة35.

إلاّ أنه يوجد خطر متمثل في فقدان القانون الدولي للمزيد من المصداقية، فلا يزال القانون الدولي يستند على المساواة الشكلية السيادية للدول في العلاقات الدولية، في حين أنّ هيمنة الاعتبارات السياسية فيما يتعلق بعملية بناء الدولة يبيّن أكثر من أيّ شيءٍ آخر كيف يمكن للدول أن تكون غير متكافئةً حقاً. وعليه لا يوجد معايير واضحة لمفهوم عملية بناء الدولة وبالتالي هناك العديد من المؤشرات تدل على أنّ هذا المفهوم يحتاج إلى تعديل، لكن بشرط أن يُعدّل شكل القانون الدولي كذلك36. خصوصاً وأنّ جلَّ الكتابات الحالية حول عملية بناء الدولة من منظور العولمة مشغولةٌ بقضايا ما بعد الصراع، فبعد سقوط جدار برلين ونهاية الشيوعية، أصبح جوهر مفهوم عملية بناء الدولة يُعنى بالمرحلة الانتقالية والتحول الديمقراطي، وبعد عقدين من عام 1990، أشار عدد من المنظرين إلى أنه لا يزال يُنظر لبناء الدولة على أنها عملية لم تنته بعد37.

 

رابعاً: مستويات تحليل الظاهرة: الدولة، النظام السياسي والفرد

ترتيباً على ما سبق، فإنّ بناء نظم تفسيرية جديدة لحل مشكلة بناء الدولة في هذا العصر، يحتاج أولاً إلى استكشاف الرؤى النظرية الرئيسية لسؤال بناء الدولة. وعليه، كان لزاماً على الباحثين تطوير إقترابات «نيو-ليبيرالية» تعالج عملية بناء الدولة على المستوى الجزئي والكلي، والتي استطاعت أن تلخص أهم المنطلقات المشتركة وبؤر المعالجة (شرعية السلطة السياسية ومسألة العدالة الاجتماعية). سنعرض لهذه المستويات تبعاً للترتيب التالي: الدولة والنظام السياسي، ثم الفرد، علماً أنّ هذا الترتيب ذو دلالةٍ تحليليةٍ هامةٍ تنطلق من التغير الإبستيمولوجي والتاريخي لحقل السياسة المقارنة.

أولاً؛ على مستوى الدولة (State Level)؛ شكلت المقاربة الدولاتية أداة منهجية صلبة لضبط صور التكيف الأمبريقي للدولة الوطنية مع ديناميات العولمة38، تحديداً ضمن مسألة دور الدولة في العملية التنموية الشاملة التي تتم داخل نسق العولمة. في هذا الصدد طُرحت إشكاليات رئيسية، من أبرزها: كيف ينبغي لنا إعادة تصميم قدرات الدولة ووظائفها بما تقتضيه عملية بناء دولة مستجيبة لاحتياجات المواطن في سياق تحديات العولمة؟39

ثانياً؛ على مستوى النظام (Level System) تَركّز التحليل في هذا الصدد على بناء مرونة النظام، تشير المرونةإلىقدرةأيّ نظامعلىالتكيف مع الاضطراباتوالحفاظ على وظائفه الأساسيةدون تغيير40، لذلك لابدّأن يتمتقييم مرونة أيّنظام بناءًعلىقدرته علىأداءوظائفه. ويمكن قياس مرونةالنظام (كمفهوم ديناميبطبيعته (من خلال قدرتهعلىالاستجابةللتغيراتوالصدمات عن طريقتفعيل آليات التكيف الملائمة41. كما اعتبرتالمرونةعنصراًهاماًمن عناصر الاستدامة. فالحفاظعلى رفاهيةالإنسان على مرّ الزمنيتطلب التقليل مندرجة إجهاد النظم الاجتماعية والاقتصادية والبيئية داخل مؤسساتالدولة42.

ثالثاً؛ على مستوى الفرد (Level Individual) منذ منتصف القرن الماضي، والدول المتقدمة، تسعى إلى رفع مستوى الثقافة السياسية بين أفرادها، وذلك في سياق عملية بناء الفرد الإنسان الذي يعتبر محور العملية البنائية للدولة النموذج. ويتم ذلك بواسطة، بناء قدرات المواطنين لمواجهة المشكلات الداخلية والخارجية بكل اقتدار وبشكل علمي وواقعي. ولا يتم ذلك إلاّ بالوصول بالفكر العام للأفراد إلى درجة القدرة على التمييز بين الواجبات والحقوق أولاً، ثم إدراك تفاصيلها، أي معرفة حدود الواجب وكيف يجب أن يُؤدَّى ومعرفة حدود الحق وكيف يجب أن يحُصَّل43، وذلك في سياق جعل الفرد الإنسان محور هندسة الحكم في الدولة44، وتمكين حقوقي للنوع الاجتماعي.

ولم تُوضع هذه المستويات التحليلية على محك الاختبار الأمبريقي، وبالتالي لم تُنتج لنا الدولة النموذج، وعليه تحرّك أنصار النظرية السياسية من خلال سجالاتهم الفكرية نحو إضفاء طابع الإجرائية على مفهوم عملية بناء الدولة، ومحاولة إيجاد نموذج شامل لكل المستويات التحليلية الآنفة الذكر.

 

خامساً: النظرية السياسية المعاصرة وبناء الدولة:

دُرس الأساس البنائي للدولة بمختلف جوانبه: المؤسسية، الاقتصادية، السياسية والاجتماعية، القيمية والحضارية. فالنموذج السلوكي الليبيرالي (النُظمي والبنائي الوظيفي)، تناول ما يتعلق بالمؤسسة كبناء أو وظيفة معينة، على استقرارها وتوازنها، استمرارها ودورها في عملية البناء. أما النموذج الماركسي فركز على البناء الاقتصادي للدولة. لكن المنظور الحضاري الإسلامي اهتم بأبعاد كالقيمة، الوسيلة والغاية، والتي تختلف كثيراً عن النماذج السابقة. لكن كل هذه النماذج باستثناء النموذج الإسلامي45، أهملت العقلنة الشاملة لعملية بناء الدولة، حيث أنّ العامل الأساسي الذي أصبح يشغل الفكر السياسي الليبيرالي هو أننا نعيش في تاريخ غير منسجم عقلانياً، بسبب جهلنا بالنظام الكلي الذي يحكم الوجود الاجتماعي والسياسي.

ومع بروز مظاهر التفكك في المعسكر الشرقي الاشتراكي في السبعينيات ظهرت حركات فلسفية نقدية وبنائية في أوروبا وأمريكا، نَزعَ بعضها نحو تجديد الدولة الديمقراطية عن طريق تطوير المفاهيم الماركسية في ضوء تطور وتكيف الدولة الرأسمالية مع مطالب الطبقة العاملة، بدأت هذه الحركة في ألمانيا مع الأعمال النقدية التي طرحها أعضاء مدرسة فرانكفورت، وانتهت مع يورغن هابرماس (فيلسوف وعالم اجتماع ألماني 1929-؟Jurgen Habermas).

على عكس النزوع السابق، اتجه موقف الفيلسوف الأمريكي جون راولز (Jhon Rawlz، 1921-2002) نحو إحياء الفلسفة السياسية وإبراز موقفها وأوليتها على العلم في ميدان التنظيم السياسي من خلال تأكيد أولوية العدل على الفعالية، وحقوق الإنسان والحريات الأساسية على التفاوت الاجتماعي والاقتصادي الذي فرضته الثورة العلمية والتكنولوجية. ومن ثمة بناء الدولة الديمقراطية التيتدافع عن العقلنة الشاملة للحريات الأساسية المنسجمة مع العدالة الاجتماعية46.

وقد بنى هابرماس نظريته حول الديمقراطية التواصلية على أنقاض نقد الدولة الرأسمالية وأيديولوجيتها التكنوقراطية، وبنى راولز نظرية العدل كإنصاف على إجراءات صورية اتخذها كمنطق جديد للبناء السياسي والاجتماعي الديمقراطي العقلاني والعادل، على أنقاض نقد الدولة الليبيرالية في أمريكا وأيديولوجيتها المتمثلة في النظرية النفعية. وناقش هابرماس مشكلة شرعية السلطة السياسية كمحور لعملية بناء الدولة، حيث يرى أن الشرعية في الدولة الرأسمالية الحديثة، نتجت كأزمة سياسية، من خلال أزمات اقتصادية واجتماعية تراتبية (أزمة اقتصادية، أزمة العقلانية، أزمة الشرعية، أزمة الدافعية وأزمة النزوع نحو النموذج الكاريزمي الذي ينفي بنية النموذج الديمقراطي الدستوري)47.

إنّ ما يدعو له هابرماس هو نموذج جديد من الاتصال بين الفرد ومجتمعه ونظامه السياسي بشكل سيؤدي إلى إقامة توازن بين هذه العناصر في داخل المجتمع، وهكذا سيتحقق الانعتاق التدريجي من الهيمنة الكلية للسلطة السياسية، بالإضافة إلى طرح مفهوم جديد للشرعية يربط بين النظام الاقتصادي والنظام السياسي في الدولة48.

بناءً على ما تقدم يحتاج أيُّ بناءٍ سياسي أو نظامٍ طامحٍ، حسب هابرماس، للحد الأدنى من الاستقرار، لتسويغ شرعيته والتوافق مع النظام الطبيعي للأشياء وإلى حجج تكون لصالح أغلبية الأفراد، ويؤكد هابرماس أنّ المجتمع تهيمن فيه نظرية مركزية واحدة عن الكون موجَّهة نحو إضفاء الشرعية على السلطة السياسية محوِّلةً إياها بهذا الشكل إلى سلطة مطلقة، في حين أنّ الثورة العلمية طَرحت من جديد السؤال حول قضية السلطة في الوعي الاجتماعي، فمن الطبيعي أنّ انهيار الشرعية التقليدية للنظام السياسي يترافق مع أزمة ثقافية عميقة49. هكذا يحاول هابرماس تأسيس دولة القانون الديمقراطية على تصور إجرائي للشرعية القائمة على معايير الرضى والإجماع، المنبثق عن الحوار العملي بين الدولة والمجتمع في الفضاء العمومي (L’Espace Public).

أمّا عن راولز فقد انطلق من إخفاق الاتجاهات الليبيرالية الجديدة في تصوراتهم حول عملية بناء الدولة، حيث قام منطق هؤلاء على تجريد السياسة والأخلاق من الغايات العليا معتبرين أنّ السوق وحتميته الاقتصادية يُعدّان مرجعاً للتنظيم السلمي للمجتمع الحديث، ولم تعد الدولة موضوعاً للفكر النقدي بل صارت شأناً تكنوقراطيا تابعاً للاقتصاد والعلوم التقنية، وبمعنى آخر فقد فقدت الدولة دلالتها كسلطة عليا قادرة على ضمان حقوق كل المواطنين، كما فقدت العدالة معناها من حيث هي حق الجميع في الحرية والمساواة وحقوق الإنسان التي سَوّغت ظهور الدولة الليبيرالية نفسها.

 

وعليه قدّم راولز تصوراً بديلاً لعملية بناء الدولة قائم على مبدأ «العدالة كإنصاف»50، بمعنى الإنصاف كشرط إجرائي لبناء مبادئ العدل في الدولة المعاصرة، فالإنصاف يبدأ من أول إجراء أصلي يحظى باتفاق الشركاء الاجتماعيين وهم بصدد اختيار مبادئ العدل بالإجماع، بحيث يكون هذا العدل لتقييم الجوانب التوزيعية للبنية الأساسية للمجتمع، ويعني راولز بالجوانب التوزيعية الحقوق والواجبات الملزمة، وتوزيع الثروات التي هي ثمرة التعاون الاجتماعي كالسلطة والثروة والمعرفة. ويَعني بالبنية الأساسية الطريقة التي تُنظّم بها المؤسسات الاجتماعية الأساسية في نسق واحد لتصبح مصدراً للتكليف بالحقوق والواجبات، وتوزيع المنافع الناجمة عن التعاون الاجتماعي، مثل: الدستور السياسي، وأشكال الملكية المعتمَدة قانونياً، وتنظيم الاقتصاد51.

 

إنّ عملية بناء الدولة عند راولز محورها فكرة العدل الذي يبدأ انطلاقاً من وضع أصلي كتصور إجرائي كوني مقبول من الجميع، تُحدّدُ فيه القواعد والمعايير التي تحكم المؤسسات والنظم الأساسية في المجتمع، وتنظيم التعاون والتطور الاجتماعي والاقتصادي بأقصى ما يمكن من الإنصاف الذي يقتضيه المطلب الديمقراطي.

إذن، توصلت النظريتين السابقتين إلى تصور إجرائي حول عملية بناء الدولة خاصة وأنّ الدولة الديمقراطية المعاصرة يؤسسها العدل والشرعية اللّذان يشكلان أساساً للأخلاق والسياسة52، وعليه من خلال النظرية السياسية المعاصرة (الراولزية والهابرماسية، رغم اختلافهما في المنطلق: الأول انطلق من عقلانية براغماتية محلية والثاني انطلق من عقلانية كوسموبوليتانية، إلا انهما يشتركان في المصب وهو تأسيس إجراءات عقلانية لعملية بناء الدولة.) نلاحظ أنّ عملية بناء الدولة يوجّهها نظرياً براديم العدل وأسس الشرعية (Basis oflegitimization) الذي يمكن أن يؤسس لنا نموذج لدولة قائمة على متغير الاستجابة53، خاصة وأنه لا يكفي لمؤسسات الدولة أن تكون عاملةً بطريقةٍ صحيحةٍ، بل لا بدّ من أن تحظى بنسبة مُعتبرة من الشرعية لدى المجتمع من جهة، وأنّقضايا العدالة الاجتماعية والمساواة لا تزال تحتل مكانةً ضمن جدول أعمال الليبرالية الجديدة من جهة أخرى، بالإضافة إلى أنه في الوقت الحاضر لا يوجد بديل حقيقي لنموذج الليبرالية الجديدة54. وفي هذا الاتجاه يمكن أن نبحث عن تصور مقارب وشامل لعملية بناء الدولة، يستند إلى معيار وظيفي هو الاستجابة وُفقاً لاحتياجات الفرد في المجتمع.

 

خاتمة:

ينبغي الاتجاه إلى إعادة النظر في مفهوم عملية بناء الدولة، لأنه لم يبقى حبيساً للنظريات المهيمنة في النموذج الليبيرالي، فالنيوليبيرالية تفترض أنه بدلاً من «بناء الدولة، State building» يجب الحديث عن «إعادة بناء الدولة،the State Rebuilding » خاصة في دول العالم الثالث، لأنّ هذا المفهوم، في الأخير، هو متغيّر حسب السياقات التاريخية والثقافات الإنسانية. فرغم الدراسة النظرية لهذه الظاهرة إلاّ أنها لم تستوفي الشروط الإجرائية، على هذا الأساس قامت النظرية السياسية المعاصرة بتوليف مستويات التحليل في براديم جديد أساسه العدل والشرعية، لأنّ هذه القضايا هي من صميم احتياجات الفرد الراهنة داخل المجتمع، من هنا الضرورة الحتمية لمفهوم بناء الدولة المستجيبة(1).

-------------------------

هوامش الدراسة:

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن "المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية".

1- عبد السلام صغور، «بناء الدولة الحديثة في الجزائر: دراسة تقييمية»، أطروحة دكتوراه، كلية الإعلام والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة الجزائر، 2008، ص15-16. طالع أيضاً:

-Béatrice Pouligny, «State Building et Sécurité International», Critique International, n° 28 Juillet –  Septembre 2005, p–p. 119 – 69.

2- فرانسيس فوكوياما، بناء الدولة النظام العالمي ومشكلة الحكم والإدارة في القرن الحادي والعشرين، تر. مجاب الإمام، الرياض: العبيكان للنشر، 2007، ص20.

3- شنا فائق جميل، «مستقبل العراق بين بناء الدولة ومحاولات التقسيم»، مذكرة ماجيستير، كـليـة الـقـانـون والـسـياســيـة قـسـم الـعـلـوم الـسـياسية، الأكاديمية العربية المفتوحة في الدانمارك، 2010، ص.8.

4 - Charles Tilly, «War Making and State Making as Organized Crime», In: Bringing the State Back in. edited by P. Evans, D. Rueschemeyer and T Skocpol. Cambridge, UK: Cambridge University Press,1985. pp. 169-191.

5- عبد السلام صغور، مرجع سابق، ص16.

6- التقريرالأوروبيحولالتنميةلعام2009،التغلبعلىالهشاشةفيإفريقيا،مركزروبرتشومانللدراساتالمتقدمة،المعهد الجامعيالأوروبي،ساندومينيكوديفيسولي، ص.90.

7- عبد السلام صغور، مرجع سابق، ص17.

8 -Overseas Development Institute, «State-building for peace: navigating an arena of  contradictions: Donors need to understand the links between peace-building and state building»..August, 2009,p.2.

9- كلير كاستليليو، «بناء دولة تعمل من أجل النساء إدماج النوع الاجتماعي في عملية بناء الدولة خلال مرحلة ما بعد الصراع»، ورقة عمل مقدمة حول مشروع بعنوان: تعزيز مواطنة النساء في سياق بناء الدول، مؤسسة فرايد، 2011، ص.5.

10- عبد السلام صغور، مرجع سابق، ص17.

11- ثامر كامل محمد الخزرجي، النظم السياسية الحديثة والسياسات العامة: دراسة معاصرة في إستراتيجية إدارة السلطة، ط.1، عمان: دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، 2004، ص. 134.

12- أنظر: بومدين طاشمة، دراسات في التنمية السياسية في بلدان الجنوب: قضايا وإشكاليات، الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 2011، ص25-26.

13- عبد السلام صغور، مرجع سابق، ص17.

14- شيرزاد أحمد النجار، دراسات في علم السياسة، ط.1، عمان: دار دجلة، 2010، ص.55.

15- عبد القادر عبد العالي، «محاضرات النظم السياسية المقارنة»، محاضرات مخصصة لطلبة قسم العلوم السياسية، كلية الحقوق والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة سعيدة، 2007 –2008، ص. 6.

16- عبد المعطي محمد عساف، مقدمة إلى علم السياسة، ط.2، عمان: دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، 1987، ص.278.

17- نصر محمد عارف، إبستمولوجيا السياسة المقارنة: النموذج المعرفي، النظرية، المنهج، ط.1، بيروت: مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2002، ص-ص. 264 -267.

18- المرجع نفسه، ص-ص. 266-267.

19- سفيان فوكة ومليكة بوضياف، «الحكم الراشد والاستقرار السياسي ودوره في التنمية»، ورقة مقدمة في الملتقى الوطني الأول حول التحولات السياسية وإشكالية التنمية المستدامة في الجزائر: بين الواقع والتحولات العميقة، كلية العلوم القانونية والإدارية، فرع العلوم السياسية، جامعة الشلف،16-17 ديسمبر 2008، ص14.

20-  محمد شلبي، المنهجية في التحليل السياسي: المفاهيم، المناهج، الإقترابات، والأدوات، الجزائر: دار هومة، 2002، ص.146.

21- هشام محمود الأقداحي، الاستقرار السياسي في العالم المعاصر: ملحق خاص بالمصطلحات، الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، 2009، ص.265.

22- فيريل هايدي، الإدارة العامة من منظور مقارن، تر. محمد القاسم القيروتي، الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 1985، ص64-65.

23 -Petter Hall, and Rosemary C. R. Taylor, »Political science and three new institutionalism», MPIFG Disccussion Paper 96/6, See link, p. 5

24 -Mellen Immergut, »The Theoretical Core of the New Institutionalism «Politics & Society, Vol.26, No.01, March 1998, p .18.

25-Shahar Hameiri, Regulating Statehood: StateBuilding and the Transformation of  the Global Order,UK: Palgrave Macmillan,2010 ,p.13 andp.14 and p.15

26- عبد الغفار رشاد القصبي، التطور السياسي والتحول الديمقراطي: التنمية السياسية وبناء الأمة، ط.2، القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2006، ص-ص.353-354.

27- ظهرت فلسفة السيادة الحديثة في أوروبا الغربية في أواخر القرن السادس عشر كفكرة وفي القرن السابع عشر كقاعدة منظمة لسلوكيات الفواعل المكونة للمجال الجيو-سياسي الأوربي. كما أنها كانت مرتبطة ببروز الرأسمالية كنمط جديد للتنظيم الاجتماعي الاقتصادي والدولة كتنظيم سياسي. فالسيادة إذن تعد (كفكرة، قاعدة، ومؤسسة) مكون أساسي للدولة الحديثة وهي مرتبطة ارتباطاً قوياً بمفاهيم النظام، السلطة، المشروعية والحكم. للمزيد أنظر: أمحند برقوق، «عولمة حقوق الإنسان وإعادة البناء الإيتيمولوجي للسيادة»، المجلة الجزائرية للعلوم السياسية والإعلامية، الجزائر، العدد الثالث، شتاء 2004، ص.86.

28- بليمان عبد القادر، الأسس العقلية للسياسة، الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 2007، ص.88.

29-Nikola Lakić, »Is globalization a challenge ora threat to nation-states asa dominant form of polity?« ,In: Belgrade Centre For Security Policy, Western Balkans Security Observer: Globalisation And State-Building, ; n21. 21 September-december 2011, p-p.6-15.

30- ميلود ولد الصديق، «منطق الاستحواذ على الدولة، رؤية في الآليات الناجعة والاستراتيجيات المرجوة لمواجهة الفساد ومنطق الاستحواذ على الدولة»، ورقة مقدمة في الملتقي الوطني حول: مستقبل الدولة الوطنية في ظل العولمة ومجتمع المعلومات حالة الجزائر، جامعة ورقلة، 5-6 ماي 2009.

31- حسنينإبراهيم توفيق،» العولمةالأبعادوالانعكاساتالسياسية «، عالمالفكر، العدد الثاني، أكتوبر– دیسمبر1999، ص195.

32 -Mladen Stojadinović, »The Creation of a New State in theGlobalization Era: A Step in theRightDirection??«,In: Belgrade Centre For Security Policy, Western Balkans Security Observer: Globalisation And State-Building, Year 6. N 21, September – December 2011,p. 33

33-Dejan Pavlović, »International law and State-Building«,In: Belgrade centre for security policy, Western Balkans Security Observer: Globalisation And State-Building; n21. 21 September-december 2011, p-p43-42.

34 -Ibid, p.47.

35-Ibid, p. 49.

36-Ibid, p.50.

37 -Miruna Troncotă, «Balkanization of the EuropeanizationProcess: How state-building wasaffected by axiological mattersin the Western Balkans«,In: Belgrade centre for security policy, Western Balkans Security Observer: Globalisation And State-Building; n21. 21 September-december 2011, p-p66-67. ,andp.69.

38- خالد معمري، «تفكيك العلاقة التفاعلية بين العولمة والدولة: فحص أمبريقي لمقترب الدولانية»، ورقة مقدمة في الملتقي الوطني حول: مستقبل الدولة الوطنية في ظل العولمة ومجتمع المعلومات حالة الجزائر، جامعة ورقلة، 5- 6 ماي 2009، ص.01.

39 -Guido Bertucci, and Adriana Alberti, «Globalization and the Role of the State:Challenges and Perspectives»,p .11,See link

40- تعرف(Resilience Alliance) –شبكةبحثيةمتعددةالتخصصاتبدأتتبحث في موضوع المرونة عام1999- المرونة على أنها: »قدرةالنظام  علىاستيعاب  الاضطرابات  والخضوع  لتغييراتمعالاستمرار  فيالاحتفاظ  بنفس  الوظيفة  والبنية  والهويةوالنتائج.«   ويعرِّف"هولينغ" عام 1973مفهومالمرونةبأنه مقدارالاضطراباتالذييمكنللنظام استيعابها دون أنيتحولإلى نظامآخر.

41- التقريرالأوروبيحولالتنميةلعام2009، مرجع سابق، ص.72.

42- المرجع نفسه، ص-ص.72-74.

43- أمين مشاقبة، المعتصم بالله علوي، الإصلاح السياسي والحكم الراشد: إطار نظري، عمان: مطبعة السفير، 2010، ص.47.

44- لقد برزت الدعوة للهندسة السياسية خلال السنوات الأخيرة على مستوى الدول الانتقالية خلال مرحلة ما بعد الصراع، وغالباً كانت كجزء من محاولات أوسع نطاقاً لبناء نظم سياسية مستدامة في ظل انقسام عميق للمجتمعات أو ما يعرف بالتصدعات الاجتماعية(social cleavages)، ويرى جيوفاني سارتوري Giovanni Sartori أن السؤال المركزي للهندسة السياسية هو: كيف يمكننا التدخل سياسياً في توجيه وتشكيل عملية بناء الدولة؟ أنظر:

-Benjamin Reilly, Democracy and Diversity:Political Engineering in the Asia-Pacific, New York : Oxford University Press, 2006 , P-P.21-22.

45- تم استثناء النموذج الإسلامي لأنه استطاع فعلاً أن ينشأ نظام كوني للظواهر السياسية ومن بينها ظاهرة بناء الدولة، مثال: الفرد أمة أو مؤسسة، وذلك طبقاً لدوره وفعاليته الحضارية، وتمثل الشريعة في عقله وعمله، ومن ثم فالفرد وفقاً لهذا المنظور هو وحدة تحليل لعملية بناء الدولة، يجب على الباحث أن يراعي المتغيرات المرتبطة بهذه الوحدة، ومن بينها: المحتوى الإيماني، الإطار الاجتماعي، السلوك العام والخاص، أفعاله وإنجازاته. للمزيد أنظر:

- نصر محمد عارف، نظريات التنمية السياسية المعاصرة: دراسة نقدية في ضوء المنظور الحضاري الإسلامي، القاهرة: دار القارئ العربي، 1993.ص.104.

46- بليمان عبد القادر، مرجع سابق، ص .245.

47- علي عبود المحمداوي، الإشكالية السياسية للحداثة: من فلسفة الذات إلى فلسفة التواصل هابرماس أنموذجا، ط.1، الجزائر: منشورات الاختلاف، 2011، ص-ص.273-274.

48- شيرزاد أحمد النجار، مرجع سابق، ص-ص.100-101.

49- سيرغي كارا مورزا، جدلية الأيديولوجيا والعلم، تر. نواف القنطار، ط.1، دمشق: دار علاء للنشر والتوزيع، 2005، ص. 27.

50- ذهب "راولز" إلى طرح تصور فلسفي بديل لبناء المجتمع الديمقراطي يقوم على مبدأ أسماه «العدالة كإنصاف» نشره في كتاب «نظرية العدالة كإنصاف» سنة 1970 ثم شرحه ونقحه ووسعه في كتاب «الليبيرالية السياسية» سنة 1997. وكتاب «الديمقراطية والعدالة» سنة 1993.

51- بليمان عبد القادر، مرجع سابق، ص-ص.249-250.

52- لم تعد الأخلاق والسياسة تُعنى بالبحث عن مضمون الحياة الفضلى التي تعبر عن اختيارات ذاتية وثقافية أو حضارية وخاصة أخلاقية، بل أصبحت تُعنى بالبحث في الشروط الإجرائية التي تجعل المعايير التي يحتكم إليها المواطنون صادقة وفي صالح الكل.   

53- بناء الدولة المستجيبة (Responsive State-building)؛ تعمل لإنتاج دول قادرة وخاضعة للمساءلة ومستجيبة، ويشتمل بنائها على ثلاث مستويات: التسوية السياسية، وظائف البقاء والاستمرار والوظائف المتوقعة. للمزيد من التفاصيل أنظر:

-Alan Whaites, States in Development: Understanding State-building, Governance and Social DevelopmenGroup Policy and Research Division, 2008, P-P.6-3.

54-Howard Wiarda, «Is Comparative Politics Dead ? Rethinking the Field in the past- Cold War Era», Third World Quarterly, vol.19, no, 5, 1998.p.942.

أعلى