المعارضة السورية ومعضلات الحل السياسي
مقالات وترجمات > مقالات المعهد

المعارضة السورية ومعضلات الحل السياسي

د. سعيد الحاج
يناير ٦, ٢٠١٧

ثمة قناعة توافقت عليها مختلف الأطراف بضرورة الحل السياسي في سوريا بعد كل هذه السنوات من الثورة التي تحولت إلى صراع دولي بأدوات محلية، بغض النظر عن رؤية كل طرف لسقف وبنود هذا الحل السياسي. ولعل أكثر المقتنعين بذلك هما النظام والمعارضة، ليس فقط بسبب استمرار الصراع دون أفق لحل عسكري ولا حتى بسبب الخسائر الكبيرة على مستوى الشعب والدولة (أشك أن الأمر يهم النظام أصلاً، وجزءاً من المعارضة بدرجة أقل)، ولكن لأنهما فاقدان لقرارهما المستقل في القضية أصلاً.

فقد جاء وقف إطلاق النار بعد تفاهمات روسية – تركية، عُرضت لاحقاً على الطرفين، باعتبار أن موسكو تدعي احتكار قرار النظام السوري وتريد إثبات ذلك (في ظل "مشاغبات" إيرانية تناور بين التنافس وتبادل الأدوار) وأن أنقرة مالكة لقرار المعارضة إلى حد كبير، وقد كانت سرعة استجابة الطرفين للاتفاق بلا تحفظات كبيرة لافتة وذات دلالات بخصوص سوء الأوضاع الميدانية وفقدان القرار الذاتي على حد سواء.

من الواضح أن اتفاق وقف إطلاق النار لم يكن بنداً مستقلاً بحد ذاته، بل محض تمهيد لإطلاق عملية سياسية تفاوضية في العاصمة الكازاخستانية آستانا آخر يناير 2017 (الموعد المعلن هو 23 منه) تبدو حتى الآن أوفر حظاً نسبياً من سابقاتها، بسبب تغير الإطار الراعي من الروسي - الأمريكي إلى الروسي - التركي وهو إطار أكثر التصاقاً بطرفي الأزمة وأكثر رغبة في التهدئة.

 

أولاً: معضلات المعارضة السورية:

لست هنا في سياق التفصيل في موقف النظام في مفاوضات الأستانة المقبلة/المفترضة حتى الآن، فذلك يحتاج تفصيلاً مستقلاً، ولكن على صعيد المعارضة السورية، أعتقد أنها أمام معضلات عدة متداخلة ومركبة في سياق هذه المفاوضات، أهمها:

 

1ـ التراجع الميداني:

فقد جاء الاتفاق بعد إجلاء المدنيين والمسلحين من أحياء حلب الشرقية تمهيداً لسيطرة النظام عليها، وفي التوقيت الذي اختارته روسيا تحديداً، وهو ما يعني تراجع أوراق القوة بيد المعارضة في العملية السياسية وانخفاض سقفها التفاوضي، وهو تطور يتكامل مع أوضاع "الجبهات" الأخرى.

 

2ـ سياسة العصا الجزرة:

من الواضح أن المعارضة تذهب لهذه الجولة من المفاوضات مضطرة لا مختارة إلى حد بعيد، فسياسة التجويع أو الإجلاء التي اعتمدت في أكثر من منطقة محاصرة سابقاً استبدلتها روسيا مؤخراً بسياسة القصف حتى الموت أو الإجلاء/الاستسلام، فضلاً عن الخطط المتعلقة بإدلب وغوطة دمشق. وفي ظل اختلال موازين القوى بشكل واضح لصالح النظام وحلفائه لأسباب عدة، لا يبدو أن المعارضة تمتلك الكثير من الخيارات أو رفاهية التمنع والتأجيل.

 

3ـ تجزئة المعارضة وإضعافها:

لقد مرت المعارضة السورية بعمليات تجزئة واستبدال وإضعاف ممنهجة على مدى السنوات السابقة، قام بها "أصدقاؤها" في المجتمع الدولي قبل خصومها، من المجلس الوطني إلى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة إلى الهيئة العليا للمفاوضات إضافة لما تخلل ذلك من إنشاء كيانات بديلة أو موازية. اليوم تتفاوض روسيا مع الفصائل المسلحة على وقف إطلاق النار وعلى بدء العملية السياسية التفاوضية في تهميش واضح للمعارضة السياسية التي تسيدت المشهد حتى الآن. في هذا السياق ما زالت علامات استفهام كبيرة تدور حول رؤية الوفد المفاوض وتشكيله وإمكانية التنسيق بين أطيافه ومكوناته المختلفة وهو معيار ذو تأثير مباشر على قدرة المعارضة على المناورة وتحديد السقوف وتحقيق المكاسب.

 

4ـ مشاركة الضامنَيْن في تشكيل وفد المعارضة للتفاوض:

فحسب النص الذي وقعت عليه المعارضة، فإن موسكو – داعمة النظام الرئيسة التي تحولت فجأة من خصم إلى حكم – سيكون في يدها حق الاعتراض (فيتو) على بعض الشخصيات أو الهيئات والأطر، بما سيؤثر على قوة الوفد المفاوض وسير المفاوضات فضلاً عن نتائجها.

 

5ـ الموقف التركي:

تبدو تركيا مؤخراً أقرب للوسيط منها إلى طرف داعم تماماً للمعارضة، وقد عبرت عن معان مشابهة تصريحات عدة قيادات تركية فضلاً عن الواقع المقروء منذ فترة. فالتهديدات والضغوط التي تعرضت لها تركيا في الداخل والإقليم إضافة لاختلاف أولويات أمنها القومي في سوريا منذ مدة طويلة دفعتها إلى قناعة بأهمية التفاهم مع روسيا أولاً، وبضرورة تهدئة المشهد السوري الميداني ثانياً. صحيح أن الثنائي الروسي - التركي يمنح فرصاً أفضل لتحقيق نتائج من جولة المفاوضات القادمة لما سبق من أسباب، لكنه أيضاً يخفض من سقف المعارضة فيها للأسباب ذاتها، خصوصاً وأن العلاقة بين أنقرة وفصائل المعارضة لا تعطي الأخيرة هامشاً واسعاً من اختلاف الآراء أو التحفظ فضلاً عن الرفض.

 

6ـ احتمالات الصراعات البينية:

إن استثناء داعش والنصرة من الاتفاق، نظرياً وميدانياً، سيكون امتحاناً صعباً لعلاقات الفصائل المشاركة في العملية السياسية مع النصرة (جبهة فتح الشام) تحديداً، سيما إذا ما أفضت المفاوضات إلى مسار سياسي تتبناه الفصائل وتلتزم به بالتزامن مع استمرار استهداف الجبهة. تطورات كهذه تحمل خطورة حصول مواجهات بينية بين "المنظمات الإرهابية" والفصائل المنضوية تحت راية الحل السياسي وفق التوصيف الدولي، في سيناريو شبيه بـ"صحوات" العراق، بعيداً عن فكرة مواجهة النظام وحلفائه.

 

ثانياً: فرص المعارضة وحدود الحركة:

بكل الأحوال، فحظوظ جولة المفاوضات ليست كبيرة جداً، والحديث عن كونها أوفر حظاً من سابقاتها مجرد مقارنة نسبية لا تضمن النجاح بل لا ترجحه. سيما وأنه لا ثقة أبداً في نوايا النظام وحلفائه، في ظل الخروقات اليومية لوقف إطلاق النار والتركيز على الغوطة وإدلب، الأمر الذي يجعل فرضية كسب الوقت وتضخيم المكاسب بشكل تدريجي أكثر منطقية وفق المعطيات الماثلة.

وفي ظل هذه المعادلة، لم تعد استراتيجية السعي لإسقاط النظام واقعية ولا مطروحة في ظل المعطيات الحالية (فرص تبدلها قائمة لكن ضعيفة)، وجل ما يمكن للمعارضة السعي له هو تحسين شروط الفترة الانتقالية وتقليل الخسائر وحقن الدماء، وهو سقف لا بأس به إن صدقت نوايا النظام وحلفائه ولا أظنهم يفعلون. فهامش المناورة أمام المعارضة السورية ضيق، وضيق جداً والخيارات كلها صعبة ولا تكاد تخرج عن المفاضلة بين السيء والأسوأ، في ظل ضعفها الميداني وتشتتها السياسي وفقدانها للقرار المستقل إلى حد كبير وتشوش رؤيتها ودنو سقف ما مطروح أو قد يطرح عليها على طاولة التفاوض بما لن يلبي الحد الأدنى مما يمكنها قبوله.

لكن المعارضة السورية ليست منزوعة الأوراق تماماً في هذه الجولة وفي مجمل الحل السياسي، فما زالت أحد أهم أطراف التفاوض بما يعني فشل أي اتفاق لا يحظى بتأييدها (فيتو نسبي)، وما زالت لاعباً ميدانياً فاعلاً وتملك مساحات للمناورة - وإن كانت ضيقة - سياسياً وعسكرياً، كما لديها إمكانية للضغط على النظام من خلال العلاقات مع أنقرة كضامن للاتفاق.

إلا أن كل ذلك لا قيمة له دون الأرضية التي يمكنها تفعيله والبناء عليه، أي بلورة رؤية واضحة ومحددة والتنسيق السياسي والعسكري (في ظل تعذر توحيد الموقف) والسعي لأكبر قدر ممكن من ذاتية القرار، وهي شروط الحد الأدنى لتحقيق أي إنجاز، وما دون ذلك فيمكن بأريحية القول إن المعارضة السورية ترفض تحقيق أي مكسب ولا تريده، إن لم يكن بلسان المقال فبواقع الحال (1).

-----------------------------------------

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن "المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية".

أعلى