العلاقة بين السيسي والسعودية إلى أين؟
تقدير موقف > تقديرات سياسية

العلاقة بين السيسي والسعودية إلى أين؟

غاندي عنتر
يناير ١١, ٢٠١٧

مقدمة

طفت على السطح خلال الأسابيع المنصرمة، حالة من التوتر بين النظام العسكري في مصر وبين السعودية التي كانت حليفاً مهماً لنظام السيسي حتى عام 2015، والذي شهد تغيراً في حكم المملكة فتغير معه بعض الشيء حيال الدعم الاقتصادي والسياسي لنظام السيسي حتى تغير الآن فيما يبدوا كل شيء.

التوتر بين السيسي والسعودية ظل مكتوماً لعدة أشهر ولكنه ظهر للعيان مع تصويت القاهرة في مجلس الأمن لمشروع قانون روسي حول حلب السورية الأمر الذي أثار حفيظة السعودية ودول الخليج التي عبرت عند دهشتها المصدومة من خطوة مثل هذه يقدم عليها النظام المصري الذي كانوا ذات يوم يظنون أنه قادر على حماية الخليج وسيكون تحت إمرة ممالك الخليج، لكن الأمر أصبح غير لك.

إذا فما طبيعة الأزمة بين السيسي وحلفائه القدامى؟ ولماذا ساءت العلاقات بينهما حتى وصلنا إلى التهديد المصري بالتدخل في الشأن السعودي، وربما الحديث عن الشأن الملكي السعودي الذي ظل من المحرمات على كل الأصعدة؟ولماذا تشن وسائل إعلام السيسي هذا الهجوم على كل ما هو سعودي، وفي نفس الوقت تلتزم الرياض الصمت الإعلامي لكنها تتخذ خطوات على الأرض أغضبت السيسي ونظام حكمه، وكان أبرزها زيارة مستشار العاهل السعودي إلى إثيوبيا، والتقاط صور من أمام سد النهضة، الذي يهدد الأمن القومي المصري منذ الإعلان عنه وسيؤثر لا محالة على حصة مصر في مياه النيل.

 

أولاً: مؤشرات التصعيد

1ـ وقف توريد البترول:

فاجأت الرياض نظام السيسي في أكتوبر الماضي، بوقف امدادات شركة أرامكو السعودية القاهرة بالمشتقات النفطية، الخطوة التي أثارت التساؤلات، لماذا يحدث ذلك في هذا التوقيت، فربما المبرر السعودي حينها كان التعلل بالعرض والطلب واعتبار أن القضية اقتصادية بالأساس، لكن لا يمكن تجاهل الظروف والدوافع التي تسببت في إقدام السعودية على هذه الخطوة، وما كشفته الأيام بعد ذلك عن حالة التوتر بين السيسي والسعودية، جراء عدة أمور منها التقارب الواضح بينه وبين النظام الإيراني الذي تعتبره الرياض عدوها الأول في المنطقة، وكذلك الدعم المباشر لنظام بشار الأسد الذي ساهم في تغيير معادلة الصراع في سوريا لصالح بشار الأسد وحلفائه على حساب المعارضة السورية المدعومة خليجياً ومن قبل تركيا أيضاً1.

أيضا الدور المصري الخفي في العراق التي تعد الآن امتداداً للنظام الإيراني في المنطقة العربية، كلها عوامل كانت سبباً وراء وقف السعودية لتوريد المشتقات النفطية لمصر على اعتبار أن هذا التحول في الموقف المصري يمثل مشكلة واضحة للسعودية التي لا تعد علاقتها على ما يرام حيال حكومة حيدر العبادي في العراق، والتي تدين بالولاء لطهران، لاسيما بعد الضغط العراقي على المملكة بتغيير سفيرها في بغداد ثامر السبهان، بسبب تصريحاته الرافضة لإيران وتوجهاتها الخليجية ومن ثم توترت العلاقات بين البلدين، ففي هذه الحالة كانت ترغب السعودية في، دعم مصري لها، لكن ما حدث هو العكس وتغيرت بوصلة القاهرة نحو بغداد وليس الرياض2.

 

2ـ قضية تيران وصنافير:

منذ الإعلان في مطلع أبريل 2016، عن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين القاهرة والرياض، وأصبحت جزيرتي تيران وصنافير الواقعتان في البحر الأحمر تمثل أزمة بين النظام العسكري في مصر وبين السعودية، وكذلك بين نظام السيسي وقطاع كبير من الشعب المصري على اعتبار أن هذا الأمر يمثل تفريطاً واضحاً في التراب الوطني، لاسيما وأن الجزيرتين تقعان في سيناء التي شهدت آخر الحروب المصرية مع إسرائيل عام 1973، ومن ثم تمثل أهمية خاصة لعموم الشارع المصري.

التوتر بين القاهرة والرياض حول الجزيرتين جاء بعد التظاهرات التي شهدتها مصر في 25 أبريل 2016، والمعروفة بجمعة الأرض، والتي دفعت نظام السيسي لاستخدام ورقة القضاء للموافقة على تسليم الجزيرتين، وهذه الخطوة كانت مبرراً فيما بعد، عقب التوتر الذي شاب العلاقة بين القاهرة والرياض مؤخراً، ليتزرع نظام السيسي بأن القضية لازالت في أدراج القضاء الإداري، ومن ثم لا يمكن الإقدام على أي خطوة، إلا بعد الحكم النهائي فيها، والذي يصب حتى الآن في اتجاه أن الجزيرتان مصريتان3.

أيضا حالة التراخي من قبل الحكومة المصرية والتي ظهرت مؤخراً حيال أحكام القضاء الإداري بأحقية مصر بالجزيرتين، دفعت إلى التساؤل، حول رغبة القاهرة في الرد على وقف إمداد السعودية لها بالمشتقات النفطية ومن ثم زيادة التوتر بينهما والوصول إلى مرحلة الصراع بعدما كانت توصف العلاقة بينها قبل أشهر بالاستراتيجية.

 

3ـ زيارة مسؤول سعودي لسد النهضة:

اشعلت زيارة وفد سعودي لأثيوبيا، والتقاط صور أمام سد النهضة، الخلاف بين القاهرة والرياض، وبات مؤشراً كبيراً على قوة الصراع بين الجانبين، فالأوساط المصرية لم تتحمل رؤية المستشار أحمد الخطيب أمام سد النهضة على اعتبار أن هذا يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري4.

زيارة الوفد السعودي في ذلك التوقيت باتت مؤشراً كبيراً على الخلاف القوى بين الرياض والقاهرة، فهذه الخطوة جاءت بعد فشل كل الوساطات العربية والخليجية، لرأب الصدع بين النظام العسكري المصري وبين ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي يعتبر أن نظام السيسي لم يعد حليفاً للرياض، ومن ثم فعلى السعودية أن تبحث عن مصالحها بعيداً عن التحالف مع القاهرة، أو عما يضر الأمن القومي المصري.

الرياض في عهد الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز وفي ظل حكم الرئيس محمد مرسي، حاولت مناكفة القاهرة في تلك الفترة عبر تمويل سد النهضة مقابل، الحصول على بعض الامتيازات من أجل الاستثمار في إثيوبيا، ولكن كان الهدف الأساسي من هذا في تلك الفترة، هو تقويض النظام المصري بقيادة الدكتور مرسي، ولكن بعد وقوع الانقلاب العسكري، عطلت الرياض، فكرة الاستثمار في هذا المكان خوفاً من تأثير ذلك على النظام العسكري، ولكن مع التوتر الأخير، ارتأت السعودية أن اللعب في القرن الافريقي يمثل لها أهمية كبيرة في ظل حالة التنافس مع الإمارات فيما يتعلق بأفريقيا، وأيضا من أجل مناكفة نظام عبدالفتاح السيسي الذي ازعج السعودية بتقاربه الواضع مع المحور المناوئ للرياض وهو المحور الشيعي بقيادة إيران.

 

4ـ وقف استيراد الخضروات من مصر:

في خطوة لا يمكن تفسيرها إلا على أنها عقاب من السعودية للنظام العسكري، أوقفت الرياض استيراد بعض أنواع الخضار المصرية، ومنها الفلفل، على اعتبار أنه غير مطابق لمواصفات الجودة الأمر الذي انعكس بالسلب على الصادرات المصرية، في هذا الوقت الحرج بالنسبة للنظام العسكري والذي يعاني من أزمة اقتصادية كبيرة وخانقة، خاصة في ظل نقص العملات الأجنبية وعلى رأسها الدولار، مع تصاعد ارتفاع الأسعار5.

هذه الخطوة من الجانب السعودي تأتي في إطار التصعيد مع النظام العسكري، حتى لو تم تغليفها بالجانب الاقتصادي أو بمبررات، أخرى لكنها بالأساس ضمن سلسلة إجراءات تعتزم السعودية اتخاذها حول النظام العسكري المصري، ومنها كثرة الحديث في الأوساط السعودية عن ضرورة إحلال السعوديين بدلاً من الأجانب في الكثير من الوظائف ولاسيما التعلمية والطبية ومجال الإنشاءات والتي يسيطر عليها، مهندسون وأطباء ومعلمون مصريون، فهذه الخطوة إذا ما أقدمت عليها السعودية سيسبب أزمة كبيرة للنظام العسكري المصري، في ظل حالة البطالة المستشرية في مصر.

 

5ـ حملات إعلامية مصرية شرسة ضد السعودية:

التصعيد السعودي حيال نظام السيسي قابله حملة إعلامية شرسة، قامت بها وسائل إعلام خاصة، تابعة للأذرع الإعلامية للمؤسسة العسكرية، دونما تدخل من المسؤولين المصريين، في وقفها كما كان يحدث في بعض الحالات سابقاً، لكن هذه المرة في إشارة عن الرضا الكامل من المسؤولين المصريين، حيث تحدث بعض المحسوبين على نظام السيسي والمقربين منه، عند ضرورة تراجع السعودية عما تقوم به حيال مصر، وإلا سيكون هناك رد مصري على هذه التدخلات ومنها مثلا التدخل في الشأن السعودي الداخلي، وربما استضافة المعارضين للأمير محمد بن سلمان وللملك سلمان نفسه6.

هذه الحملات المنظمة التي جاءت بعد زيارة الوفد السعودي إلى إثيوبيا مباشرة، لم تكن تخرج للعيان إلا بموافقة من النظام العسكري الحاكم، لما عهد عليه نظام السيسي من قبل ونقلته التسريبات التي أذاعتها قنوات فضائية معارضة للحكم العسكري عن دور عباس كامل مدير مكتب السيسي في توجيه الأذرع الإعلامية، لخدمة النظام القائم، والتي لا يمكن لها أن تخرج عن الدور المرسوم لها.

 

ثانياً: الدلالات:

1ـ وقف الدعم السعودي للسيسي:

التغيير في الموقف السعودي حيال نظام السيسي اعطى دلالة مفادها أن الرياض أوقفت دعمها بالكامل للنظام العسكري في مصر، مما يعني أن الفترة المقبلة ستشهد توتراً كبيراً بين القاهرة والرياض في عدد من الملفات وأبرزها الوضع في اليمن من خلال زيادة الدعم المصري للحوثيين بناء على رغبة إيران، للتأكد من جدية النظام المصري في التقارب مع طهران وفي نفس الوقت القطيعة مع دول الخليج لاسيما بعد التقارب الكبير الذي ظهر بين السعودية وقطر الغريم اللدود لنظام السيسي.

أيضا استمرار وقف تصدير النفط لنظام السيسي من قبل السعودية، بات قراراً لا رجعة فيه علي ما يبدوا خلال الفترة المقبلة، فبحسب عدد من التسريبات، فإن الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي، لا يرغب الآن في عودة علاقات بلاده بالسيسي إلا إذا تخلت القاهرة عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، وفي ذات الوقت إقالة وزير الخارجية المصري سامح شكري على خلفية، مواقفه المعارضة للسعودية بحسب تلك التسريبات، وهو ما يرفضه نظام السيسي حتى الآن رغم المحاولات الكبيرة من جانب محمد بن زايد ولي عهد ابوظبي لرأب الصدع بين الطرافين، لكن حتى الآن باتت العلاقة بين السيسي والسعودي في أسوأ حالاتها منذ الانقلاب العسكري7.

 

2ـ التقارب القوي بين الدوحة والرياض:

بات واضحاً من خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها الملك سلمان للدوحة قبيل انطلاق القمة الخليجية الأخيرة في البحرين، أن السعودية عازمة على زيادة التقارب مع قطر، وتدشين علاقات جديدة ومختلفة بين البلدين، وهذا التطور في العلاقة سينعكس بشكل مباشر خلال الفترة القادمة على عدد من الملفات أبزرها الموقف من نظام السيسي، فحالة الاحتفاء الكبيرة التي أظهرتها قطر في الزيارة الأخيرة للعاهل السعودي كشفت عند مدي رغبة الطرفين في بدء مرحلة جديدة من العلاقات على عكس ما كان سابقاً لاسيما بعد الانقلاب العسكري وحالة الحصار التي قادتها السعودية والإمارات ضد قطر، والتي بسببها سحبت دول الخليج سفراءها من الدوحة، وأجبر الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز قطر، على إغلاق قناة الجزيرة مباشر مصر التي كانت تمثل صداعاً كبيراً لنظام السيسي، لكن الآن الوضع تغير بشكل كبير8.

أيضا الموقف الخليجي الأخير حول زج اسم قطر في قضية تفجير كنسية البطرسية المصرية، دفع الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد اللطيف الزياني للتنديد ببيان الداخلية المصرية حول هذه القصة، وأظهر موقفاً جديداً مختلفاً عن ذي قبل حيال مصر وأيضاً في الدفاع عن قطر، وهذا الموقف ما كان له أن يظهر إلا بموافقة سعودية ودعم من الرياض أيضاً، لما هو معروف من سيطرة السعودية على مجلس التعاون الخليجي9.

 

3ـ التقارب بين السيسي وإيران:

ثمة دلالة أخرى على زيادة التوتر بين السيسي والسعودية وهي أن السيسي لم يكن يلوح فقط بورقة التقارب مع إيران بل أنه مضى قدماً في هذا التعاون والتقارب، مما أزعج دول الخليج، وقد ترتب على هذا الموقف تغيير كبير في بعض الملفات المهمة للسعودية وحلفائها مثل الوضع في سوريا والذي تغير لصالح إيران وحليفها بشار الأسد لعدة أمور منها، التدخل المصري الحقيقي في وضع في سوريا، ورغبة السيسي الحقيقية في بقاء بشار الأسد والدفاع عنه، لارتباط مصيرهما معاً، وكبداية تعاون بين القاهرة وطهران، هذا الموقف دلل على رغبة خليجية حقيقية لتأديب النظام المصري عبر قطع المعونات بالكامل، عنه وبداية لموقف جديد من هذه الدول تجاه السيسي.

أيضا التصريحات التي خرجت من شخصيات تربطها علاقات وثيقة بمحمد بن زايد، حول أن السيسي أصبح عبئاً على كل دول المنطقة مما يعني أن الإمارات هي الأخرى باتت تغير موقفها من السيسي، بسبب تغير الموقف السعودي، فالأكاديمي الإماراتي المعروف والقريب من ولي عهد أبوظبي، عبد الخالق عبد الله، قال إن السيسي أصبح يمثل عبئاً كبيراً على كل دول المنطقة، وهذه التصريحات والتي تصدر لأول مرة من الإمارات تعطي دلالة قوية بأن دول الخليج وصلت إلى نقطة اللاعودة في وقف الدعم عن النظام العسكري في مصر بسبب موافقه التي تصب في صالح المحور المنافس لدول الخليج وهو إيران ومن هنا بات التقارب الحقيقي بين السيسي وإيران مشكلة وقت ليس إلا10.

 

ثالثاً: السيناريوهات المتوقعة:

السيناريو الأول: زيادة التوتر وقطع العلاقات:

يستند هذا التصور على أن الفترة المقبلة ستشهد مزيداً من التصعيد بين السيسي والسعودية وعلى إثره ستقوم الرياض بسحب سفيرها رسمياً من القاهرة والدخول في مرحلة جديدة من القطيعة على غرار تلك التي وقعت في ستينيات القرن الماضي بين الملك السعودي الراحل فيصل بن عبدالعزيز، وبين الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وسيسعى كل طرف من الأطراف إلى الشحن المستمر في قوته لمواجهة الطرف الأخر من أجل القضاء عليه.

وفي هذا التصور، سوف تقدم السعودية على عدة خطوات ستربك المشهد الإقليمي وهي: رفع جماعة الإخوان المسلمين من قوائم الإرهاب، واستقبال قادة الإخوان في الرياض وبشكل علني والضغط في اتجاه اسقاط نظام السيسي، والتواجد الكبير في أفريقيا ولاسيما أثيوبيا، من أجل الضغط على السيسي، ودعم السودان في الفترة المقبلة من أجل المطالبة بمثلث حلايب وشلاتين من مصر، وتصعيد القضية بشكل كبير، والبدء في الاستغناء عن العمالة المصرية في السعودية ووقف استقدام أخرين من أجل تصدير أزمة جديدة للسيسي في الداخل، واللعب بورقة قيادات عسكرية مصرية لها، علاقات بالسعودية مثل الفريق سامي عنان من أجل التحرك في الداخل لحصار السيسي داخل المؤسسة العسكرية وتقديم بديل أخر للسيسي في الانتخابات المقبلة في 2018.

هذه الخطوة التي لو أقدمت عليها السعودية ستصبح إعلان حرب واضح على النظام العسكري في مصر مما يدفع السيسي هو الآخر للعب ببعض الأوراق التي ستزعج السعودية أيضاً وهي: الدعم العسكري الكبير للحوثيين عبر القوات المصرية المتواجدة بالقرب من مضيف باب المندب وخليج عدن، واستضافة مناوئين لنظام الملك سلمان في القاهرة ودعمهم سياسياً، واستغلال وجود مصر في مجلس الأمن ومحاولة استصدار قرار من المجلس حول قيام السعودية بانتهاك حقوق الإنسان في اليمن عبر الحرب التي تقودها، والقيام بدور فاعل للأزهر الشريف في الدول التي تحارب السعودية مثل إيران أو العراق واللعب على أن المذهب الوهابي لا يمثل أهل السنة والجماعة، على غرار ما حصل في مؤتمر غروزني، وعودة العلاقات الرسمية بين القاهرة وطهران والتوجه الكامل نحو إيران، وإطلاق حملة في جميع وسائل الإعلام المصرية الرسمية والخاصة، حول دور الفكر الوهابي في نشر الإرهاب والتطرف في العالم، ولاسيما في الفترة المقبلة والتي سيحاول فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب اللعب على نفس الوتيرة.

وإذا كنا قد استعرضنا أوراق الضغط التي يمتلكها كل طرف حيال الطرف الأخر ومن ثم يمكن أن يستخدمها في الوقت المناسب، يرى الباحث صعوبة تحقق هذا التصور، رغم وجود بعض المؤشرات على وقوعه لكن أن يحدث بالشكل الكامل هذا قد يكون من المستحيل، لعدة أمور منها.

(أ) أن دول الخليج لن تسمح بسقوط نظام السيسي رغم تحفظها عليه ولكنها تريد أن يحدث تغيير بعيداً عن حالة الفوضى أو الثورة لما يمثل خطورة كبيرة على هذا الدول من عودة الإسلاميين للسلطة مرة أخرى مما يعني الدخول في صدام مباشر مع هذه الجماعات.

(ب) أيضا رغم أن السعودية تعرف جماعة الإخوان المسلمين عن قرب إلا أن الإقدام على خطوة رفع اسم الجماعة من قوائم الإرهاب قد يزعج بعض حلفاءها وعلى رأسها الإمارات التي تتحالف معها في اليمن، والتي تعتبر الإخوان عدوها الأول، فقد تغض الرياض الطرف عن وجود عدد من الإخوان على أراضيها أو تسمح لهم ببعض الأنشطة غير المعلنة من باب مناكفة السيسي، لكن أن يصل الأمر إلى التعاون والتقارب مع الإخوان فقد يصبح هذا مستحيلاً، خاصة وأن السعودية في الأساس تعتبر الإخوان المسلمين مصدر تهديدها الأول فيما يتعلق بشرعية قيادتها للعالم السني.

(ج) أيضا السيسي نفسه لن يقدم على قطع العلاقات مع السعودية في هذه الفترة، نظراً لعدم استعداء دول إسلامية أو خليجية أخرى، خاصة إذا ما أقدم علماء دين سعوديين على مهاجمة السيسي وإصدار فتاوى دينية حول مواقفه السياسية.

(د) كذلك فكرة عودة العلاقات الدبلوماسية، بشكل كامل بين نظام السيسي وإيران في الفترة المقبلة قد يكون مستبعداً أيضاً نظراً لرفض قطاع كبير من المصريين لعودة العلاقات مع إيران ومن ثم لن يقدم السيسي على هذه الخطوة التي ستزيد من شريحة الغاضبين من حكمه وعلى رأسهم السلفيين، الحليف الديني للسيسي منذ الانقلاب العسكري وحتى الآن.

 

السيناريو الثاني: فتور كبير في العلاقات:

هذا السيناريو يستند على أن العلاقات بين نظام السيسي وبين السعودية ستشوبها حالة من الفتور الكبير، والتي ستكون أشبه بالصراع المكتوم بين الطرفين نظراً لرغبة كل طرف في تحقيق أهدافه وإذعان الطرف الأخر لمطالبة دون ضجيج، فمن المتوقع أن يقدم كل طرف في هدوء على الحفاظ على عدم التصعيد والوصول إلى مرحلة الصراع المعلن نظراً لارتباط كل منها بالأخر بشكل كبير خاصة، السعودية التي لم تصل إلى مرحلة التفكير جدياً في إزاحة السيسي عن السلطة نظراً لعدم وجود بدائل ترضى طموحها ومن ثم تظل حالة التوتر المكتوم في العلاقات هي السائدة.

فعلى سبيل المثال، ستحاول السعودية أن تجبر السيسي على التخلي عن تيران وصنافير نظراً لارتباط الجزيرتين بأحد انجازات الأمير محمد بن سلمان، كونه في حال تنازل مصر عن الجزيرتين سيحسب ذلك للأمير الشاب، والذي يعتبر أن هذا الخطوة تمثل أهمية خاصة له بحسب أخبار متداولة، السيسي أيضا سيحاول أن يتعاون مع إيران دون أن يصل إلى مرحلة عودة العلاقات، فمثلا قد توافق إيران على إمداد السيسي بالنفط عبر العراق، ولكن دون الدخول في صدام مباشر مع السعودية، كون الطرفين في أكثر الأوقات توتراً ولا يريد أي من الطرفين الصول إلى مرحلة الحرب العلنية.

أيضا ستحاول السعودية في هذا التصور أن تقوى علاقتها بالحلف القطري التركي، وأن تبعد قليلاً عن الحلف الإماراتي المصري الليبي، من أجل مزيد من الضغط على نظام السيسي واعتبار أن ما قام به حيال سوريا لا يمكن أن يتكرر في اليمن.

ويمكن أن يكون هذا التصور هو الأقرب للتحقق خلال الأشهر القادمة نظراً، لحالة التوتر الكبيرة التي تشهدها المنطقة وخاصة في سوريا، والتدخل الروسي الكبير في المنطقة على حساب ضعف النفوذ الأميركي، وكذلك يترقب كلا الطرفين الموقف الأميركي من الشرق الأوسط بعد تسلم ترامب مقاليد السطلة رسمياً في يناير 2017، ومن ثم تظل العلاقات في حالة فتور كبيرة بين الرياض والقاهرة، ولكن دون أن تصل إلى مرحلة القطيعة او حالة الصراع الواضح.

 

السيناريو الثالث: بقاء الوضع كما هو عليه:

يقوم هذا التصور على أن الأوضاع بين النظام العسكري وبين السعودية ستبقي كما هي الآن، دون أن يعلن أي طرف رسمياً دخول مرحلة الصراع المكتوم او القطيعة، فستظل الأمور على ما هي عليه، فكل الطرفين سوف يحرك أذرعه الإعلامية وعلاقات الإقليمية في الضغط على الطرف الأخر لتحقيق مطالبه وأهدافه دون زيادة في التوتر او الوصول إلى مرحلة التهدئة بينهما.

وتستبعد الورقة حدوث هذا التصور نظراً لتسارع الأحداث في الفترة الأخيرة وكذلك التوتر الذي ظهر للعيان والخطوات التي أقدم عليها كل طرف منهما خلال الشهر الأخير.

 

السيناريو الرابع: التهدئة والعودة إلى العلاقات الدافئة:

هذا التصور يفترض أن كلا الطرفين سيحاول خلال الفترة المقبلة التوقف عن حالة الصراع المكتوم الواقعة خلال هذه الأيام وسيمضي قدماً في التوافق وعودة العلاقات بينهما كما كانت منذ وصول الملك سلمان، كما ستنجح الجهود الدبلوماسية التي تقوم بها بعض دول لخليج وعلى رأسها الإمارات من أجل رأب الصدع بين السيسي والملك سلمان، نظراً لرغبة أبوظبي الملحة لهذا الأمر كونها لا يمكن أن تخسر أيا من الطرفين فمحمد بن زايد يحاول أن يحسن علاقته بشكل كبير من السعودية نظراً لكثير من الملفات العالقة بينهما وعلى رأسها اليمن، وكذلك لا يمكن له أن يتخلى عن السيسي حليفه المهم في معركته ضد جماعة الإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسي التي يناصبها ابن زايد العداء الشديد، ومن ثم، يقدم الطرفان على التسوية وعودة العلاقات الدافئة بينهما.

ورغم وجاهة هذا التصور إلا أن الورقة تستبعد حدوثه نظراً لحالة التوتر الشديدة التي شهدتها العلاقات بين البلدين الفترة الماضية، وكذلك رغبة السعودية الحقيقة في تأديب النظام العسكري المصري نظراً لمواقف التخاذل الكبيرة التي وقعت منه تجاهها خلال العامين الأخيرين، فمثلا رفض السيسي للتدخل في اليمن وفي نفس الوقت دعمه للحوثيين أثار غضب السعودية، وكذلك الموقف في سوريا ومن بشار الأسد الذي غير من طبيعة الصراع في سوريا وحسم حتى الأن الوضع لصالح بشار الأسد وحلفاؤه إيران وروسيا، فمن هنا تستبعد الورقة تحقق هذا التصور.

 

السيناريو الخامس: زيادة التعاون والعودة إلى عهد الملك عبد الله:

هذا السيناريو قد يكون حالماً بعض الشيء نظراً لتوقعه إصلاح العلاقات بين السيسي والسعودية والعودة بها إلى ما كانت عليه في عهد الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، الذي كان يعتبر أن السيسي يمثل رأس الحربة في مشروعه الهادف إلى التخلص من جماعة الإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسي في المنطقة وإفشال الربيع العربي خوفاً من وصوله إلى السعودية.

ويقوم هذا التصور على أن كل الطرفين لا يمكن له أن يتخلى عن الطرف الأخر، فالسعودية لازلت حتى الآن على موقفها حيال الإخوان المسلمين وكذلك حيال التقارب نحو تركيا التي لم تتخذ الرياض حتى الآن خطوات واضحة وقوية في التقارب معها، وكذلك جماعات الإسلام السياسي، فلا جديد في العلاقات بينهما، ومن ثم تظل السعودية قريبة إلى محور السيسي منه إلى المحور الأخر، ومن ثم يمكن أن تشهد الفترة المقبلة مثل هذا التقارب.

لكن الورقة تستبعد هذا السيناريو وتعتبر حدوثه من المستحيلات، نظراً للعلاقات المتوترة بين البلدين، وكذلك الأزمة الكبيرة التي تسبب فيها السيسي بالنسبة للسعودية فيما يخص سوريا واليمن، ومن ثم الحديث عن الوصول إلى مرحلة التحالف والدعم اللامحدود، على غرار عصر الملك عبدالله لن يحدث، فالسعودية ودول الخليج ليس لديهم ما يقدمونه للسيسي من دعم اقتصادي وسياسي، نظراً للانخفاض الشديد في أسعار النفط، وكذلك دخول السعودية في حرب اليمن التي لازال الموقف فيها بالنسبة للرياض ضبابياً ولم تقدم جديد يذكر في هذه المعركة، وتحاول أن تخرج منها بأقل الخسائر لكن، حتى الآن لا زال الوضع صعباً.

 

ومن كل ما سبق يصعب بل يستحيل تحقق هذا التصور.

خاتمة:

إن حالة التوتر التي تعشيها العلاقات بين السيسي والسعودية خلال الأشهر الماضية لم تحدث في يوم وليلة، ولكنها مرت بعدة مراحل بداية من وقف الدعم اللامحدود إلى الدعم مقابل بعض المكاسب السياسية، ثم تحول الوضع إلى مرحلة التنافس وأخيراً إلى مرحلة الصراع بينهما نظراً كما ذكرنا سابقاً للتشابك والتعارض في كثير من الملفات بين الطرفين.

السعودية تعلم جيداً أن السيسي لن يصبح حليفاً موثوق فيه في الفترة القادمة ولكنها لن تتدخل في عملية تغيير في المشهد المصري نظراً لحالة الفوضى التي قد تحدث إلى ما تدخلت القوى الغربية والإقليمية في تغيير خشن في مصر قد يأتي بالإخوان المسلمين إلى سدة الحكم أو يجعلهم رقماً صعباً في المعادلة السياسية او في أي تسوية قادمة.

السيسي يدرك تمام الإدراك أن السعودية بدأت مرحلة الضعف، فالوضع الاقتصادي يزداد سوءاً وكذلك الوضع السياسي أيضاً، فالعلاقات مع واشنطن ليست على ما يرام مثل ذي قبل، وكذلك المحور الآخر والمتعلق بإيران يحقق نجاحات على عدة أصعدة، ومن ثم التقارب مع طهران ليس عيباً بالنسبة له كما أن في الفترة الأخيرة بات يعلب على المتناقضات في العلاقات الدولية والإقليمية، ومن ثم التكهن بأي تصور ما للعلاقة بين القاهرة والرياض يعد أمراً صعباً ولذلك يعد عامل الوقت هو الفيصل في الفترة المقبلة. (11).

------------------------------------

الهامش

(1) مصر تبحث عن بديلٍ لنفط السعودية.. وتوضِّح سبب إيقاف بترول المملكة، هافينغتون بوست عربي، أكتوبر 2016، الرابط

(2) العلاقات المصرية السعودية.. إلى أين؟، روسيا اليوم، نوفمبر 2016، الرابط.

(3) القضاء يثبت مصرية تيران وصنافير ويرفض طعن الحكومة، الجزيرة نت، نوفمبر 2016، الرابط.

(4) زيارة مستشار الملك لـ"سد النهضة" تفتح "حرب المكائد" بين مصر والسعودية، روسيا اليوم، ديسمبر 2016، الرابط

(5) حظر استيراد الفلفل بجميع أنواعه من مصر .. ملوَّث ببقايا مبيدات، موقع سبق السعودي، ديسمبر 2016، الرابط

(6) تهديدات مصرية غير مسبوقة للسعودية، عربي 21 ، ديسمبر 2016، الرابط

(7) «بن سلمان» يشترط تسليم تيران وصنافير وإقالة «شكري» لتصحيح العلاقات مع مصر، الخليج الجديد، ديسمبر 2016،الرابط

(8) سيلفي وعرضة وسيف وخيول في زيارة الملك سلمان إلى قطر، سي ان ان عربي،  ديسمبر 2016، الرابط

(9) التعاون الخليجي يرفض الزج باسم قطر في تفجير بمصر، الجزيرة نت، ديسمبر 2016، الرابط

(10) قناعة لدى دول الخليج.. السيسي أصبح عبئاً سياسياً ومالياً لا يمكن تحمله طويلاً، هافينغتون بوست عربي، الرابط

(11) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن "المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية".

أعلى