العلاقات الكردية ـ الصهيونية: أى أفق؟
تقدير موقف > تقديرات سياسية

العلاقات الكردية ـ الصهيونية: أى أفق؟

محمد أبو سعده
أكتوبر ٥, ٢٠١٧

مقدمة:

تعود العلاقات الكردية الصهيونية إلى ما قبل قيام دولة الاحتلال عام 1948م، وتعمقت بعد قيام الدولة العبرية، فقد قام الكيان الصهيوني بمساعدة الأكراد فى معاركهم مع الأنظمة العراقية منذ أيام الملكية وما بعدها، وقد أمدتهم أكثر من مرة بالسلاح والأغذية والمعونات الصحية، والأموال، كما أن ممثلين من الموساد الصهيوني زاروا المواقع الكردية فى شمال العراق فى فترة الستينيات، وكانت الاتصالات بينهما تتم عبر طهران فى ظل حكم الشاه وعبر العواصم الأوروبية وخاصة فى باريس ولندن.

وزار زعيم الأكراد الراحل مصطفى البرزانى الكيان الصهيوني، والتقى هناك بالقيادات السياسية الصهيونية إلى جانب قيادات من الموساد. هذه الحقائق وغيرها كشفت عنها الوثائق والصور التى خرجت فى السنوات الأخيرة والتى ظهرت فى كتب وتقارير من بينها كتاب شلومو نكديمون (الموساد فى العراق ودول الجوار)، كما تعد اتصالات "بدر خان" دليلا واضحا على التعاون بين الميليشيات المسلحة الكردية والموساد الصهيوني.1


أولاً: الكيان الصهيوني ودولة الأكراد

في مؤتمر نظمه معهد دراسات الأمن القومي صرح رئيس الوزراء الصهيوني بأنه يؤيد إقامة دولة مستقلة للأكراد في العراق معللا ذلك بأنهم جديرون بها. بينما وزير دفاعه ليبرمان قال لجون كيري في لقاء جمعهما في باريس إن العالم يشهد تفكك العراق، وإن تشكيل دولة كردية مستقلة باتت حقيقة واقعة، وهي تستحق الدعم. وتابع ليبرمان قائلاً: "الدعم الصهيوني قديم جديد للأكراد"، كما أكد الجنرال بالاحتياط ميخائيل هرتسوغ الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط، أن الكيان الصهيوني يرى اليوم الخيار بين "المعسكر السني المتطرف" و"المعسكر الشيعي المتطرف" كالخيار بين "الكوليرا والطاعون".

وأضاف: إن "تقسيم العراق وسوريا إلى دويلات متنازعة يخدم مصلحة الكيان الصهيوني" التي يندرج دعمها للدولة الكردية المستقلة علانية.2

وربما تعتبر النائبة في الكنيست (البرلمان) الصهيوني كاسنيا سيفاتلوفا قادرة أن تلخص الموقف الصهيوني من الدولة الكردية فهي عضوة في حزب المعسكر الصهيوني ورئيسة رابطة تقوية العلاقات الصهيونية الكردية؛ والتى تؤكد أن الدولة الكردية ستقوم عاجلا او اجلا.3


ثانياً: قراءة في الأسباب:

تبرز مجموعة من الأسباب التي تُفسر دعم الكيان الصهيوني لقيام الدولة الكردية، من بينها:

1-يؤمن قادة الكيان الصهيوني بنظرية ديفيد بن غوريون القائلة بضرورة اقامة تحالفات مع الأقليات في المنطقة ودول "الطوق الثالث" أي الدول التي ليس لديها حدود مشتركة مع الكيان الصهيوني، لكن تجمعهما مصالح مشتركة معها، وبين الحقائق الجيوسياسية التي أفرزها سقوط نظام صدام حسين والغزو الأميركي للعراق اللذين جعلا من الحكم الذاتي في كردستان امراً واقعاً، يعزز من نظرية بن غوريون.

2-تفتيت الدول الاقليمية في المنطقة: يسعي الكيان الصهيوني إلى اللجوء إلى نظريته الأمنية القائمة على مبدأ "خلق الأزمات" لخصومه، ويُعد الاكراد الأزمة التى يستطيع منها الكيان ضرب خصومه المنافسين له، فقد استطاع الكيان الصهيوني استخدام مصطفى البرازاني بدءاً من سنة 1963 ضد الحكومة العراقية وجيشها. وطوال 12 عاماً وقف الكيان الصهيوني إلى جانب الأكراد ودعمتهم، وفقد كان لدي الكيان الصهيوني وفدا من المستشارين يتغير كل ثلاثة أشهر ويضم ممثلاُ عن الموساد وضابط من الفرق الخاصة ومستشار تقني وطاقم طبي. وكانت مهمة الصهاينة تتمثل في تدريب الأكراد على اساليب القتال العصري وتعليمهم كيفية الدفاع عن أنفسهم. وكان هذا يتم بالتعاون والتنسيق الكامل مع نظام الشاه في إيران. لكن عندما عقد العراق اتفاقاً مع إيران سنة 1975 ينهي الخلاف بينهما توقفت المساعدة الصهيونية للاكراد. يومها اتهم الكيان الصهيوني بأن علاقته بالأكراد علاقة تقوم على المصلحة وعندما تنتفي هذه المصلحة فلا يتردد الكيان الصهيوني عن التخلى عنهم .

إلى أن عادت مرة اخري وازدهرت بعد سقوط العراق عام 2003م، ومن مؤشرات ذلك وجود مستشارين عسكريين صهاينة يقومون بتدريب البشمركة ويقدمون الدعم العسكري والاستخباراتي للأكراد. وعلى رغم من ذلك فان العلاقات لا تقتصر فقط على المجالين العسكري والاستخباراتي، بل بدأت تشمل مع مرور الوقت ومع بناء كردستان لمؤسساته ودولته التعاون في مجالات عديدة أخرى. فقد تحدثت الصحف الصهيونية عن تعاون في المجالين الزراعي والصناعي والاقتصادي . والآن يقوم الكيان الصهيوني بمحاولة خلق الازمات لكل من اعدائه المنافسيين في المنطقة الاقليمية إيران وتركيا، من خلال المساهمة في قيام دولة كردية تهدد وحدة الاراضي الايرانية والتركية والسورية. 4

3-يسعي الكيان الصهيوني إلى ايجاد دويلات وأقاليم طائفية أو اثنية تدخل في صلب العقيدة الاستراتيجية المحبذة لنشوء كيانات سياسية اثنية للأقليات يمكن أن تتلاقى مصالحها مع المصالح الصهيونية في المنطقة . لذا فإن الكيان الصهيوني يحرص وبشدة على قيام دولة كردية على الاراضي السورية والتركية والايرانية، كما كان مساهما في دعم دولة جنوب السودان على الاراضي السودانية؛ إلى جانب العبث الصهيوني المستمر في العديد من البلدان العربية من أجل دعم بعض الاقليات لتقسيم هذه البلدان.


ثالثاً: مستقبل العلاقات الصهيونية الكردية:

ليس من السهولة أن يتخلي الكيان الصهيوني عن دعم الأكراد، وحلم انشاء كيان لهم، ليكون حليفا لهم، إلا أنه انطلاقا من المتغيرات الاقليمية والدولية، هناك سيناريوهات لمستقبل العلاقات الصهيونية الكردية:

السيناريو الأول – تمتين العلاقات:

قد تصل العلاقات الكردية الصهيونية إلى أعلى درجاتها في حال نجح الاكراد في إقامة دولتهم، لتبني بعدها علاقات اقتصادية عسكرية سياسية متميزة. خاصة وأن الكيان الصهيوني يرغب بوجود دول جديدة في المنظمات الدولية لتضفي شرعية على الكيان الصهيوني في المنطقة.

السيناريو الثاني: تذبذب العلاقات:

قد تدخل العلاقات الصهيونية الكردية مرحلة التذبذب في العلاقات بينهما تستمر فترات وتقطع لفترات اخري؛ وذلك نتيجة لعدة عوامل، أهمها الموقف الامريكي من قيام دويلة كردية ففي حال تحفظت الولايات المتحدة الامريكية من قيام دويلة كردية لأسباب تخصها كالمحافظة على علاقات جيدة مع تركيا. كما يعد رد الفعل التركي والايراني مهما، ففي حال أثرت الضغوط والتدخلات التركية والايرانية على قيام دويلة كردية، فإن ذلك سوف يخلق حالة من التذبذب في العلاقات الصهيونية الكردية.

وفي حال نجح الكيان الصهيوني في إقامة علاقات "تطبيعية" مع الدول العربية ربما يتراجع الاهتمام الصهيوني بالمسالة الكردية انطلاقا من ان قيمة وجود دويلة كردية قد تراجع.

السيناريو الثالث – قطع العلاقات:

ليس من السهل توقع قطع العلاقات الصهيونية الكردية، إلا إذا نجحت الجهود الايرانية والتركية في وأد حلم قيام دولة كردية تماما، وهنا يمكن أن يتراجع الكيان الصهيوني عن دعمه للمشروع الكردي.


ختاما:

في المنظور القريب يبدو أن العلاقات الكردية الصهيونية ستكون أقرب إلى السيناريو الثاني (تذبذب العلاقات) وهو السيناريو الاقرب للواقع، فلا يزال امكانية التواصل الجغرافي بين الكيان الصهيوني وإقليم كردستان العراق في غاية التعقيد، كما ان التواصل عبر الملاحة الجوية أصبح معطلا بعد قرار حكومة العراق المركزية. ومن المؤكد ان الموقف الايراني والتركي سيكون معطلا للتواجد الصهيوني في اقليم كردستان بشكل كبير (5)

--------------------------------

الهامش

(1)  صلاح عبد اللطيف، أيمن الهاشمي، شبكة المنصور، " تغطية لحقائق وكتاب يهودي"، تاريخ الزيارة 4-10-2017م، الرابط.

(2)  وديع عوادة، الجزيرة، " العلاقات الكردية الإسرائيلية من السر إلى العلن"، تاريخ الزيارة 4-10-2017م، الرابط.

(3)  موقع الجزيرة، " نائبة بالكنيست: إسرائيل ستساند الأكراد في أي حرب"، تاريخ الزيارة 4-10-2017م، الرابط.

(4)  رندة حيدر، "أسباب الدعم الإسرائيلي لاستقلال اقليم كردستان"، موقع النهار، تاريخ الزيارة 4-10-2017م، الرابط.

(5) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن "المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية ".

أعلى