العسكر وتدمير الاقتصاد المصري بعد الانقلاب العسكري ـ الجزء السادس
الملفات البحثية > ملفات مصرية > ملفات اقتصادية

العسكر وتدمير الاقتصاد المصري بعد الانقلاب العسكري ـ الجزء السادس

عبد الحافظ الصاوي
يناير ٢٨, ٢٠١٦

تقديم :

شهد الاقتصاد المصري تحت حكم العسكر بعد انقلاب 3 يوليو 2013، العديد من الممارسات والسياسات الخاطئة، التي كان لها العديد من التداعيات الخطيرة ليس فقط على حاضر هذا الاقتصاد ولكن على مستقبله، وفي هذا الملف نرصد أهم ملامح هذه السياسات وتلك التداعيات :

أولاً: القيمة الحقيقية لتراجع عوائد قناة السويس عام 2015

قاعدة عامة يتعامل بها الاقتصاديون عند التحليل الاقتصادي، وهي أن "الأرقام  تصف الواقع ولا تعكس الحقائق " ومن هنا نجد أن كثير من الأرقام الخاصة بالمؤشرات الاقتصادية الكلية في مصر، لا تُعرض في إطارها الصحيح، فضلًا عن إخفاء البيانات، وإظهارها على غير حقيقتها.

وتأتي هذه المقدمة، لتفسر لنا ما تم تناوله مؤخرًا حول تراجع إيرادات قناة السويس بنحو 290 مليون دولار، بنهاية عام 2015، لتحقق القناة 5.1 مليار دولار، مقارنة بنحو 5.4 مليار دولار في نهاية عام 2014، وبذلك تكون نسبة الانخفاض بحدود 5.3%.

وحتى لا يتخيل البعض أن العجز أو التراجع في إيرادات القناة، بحدود 290 مليون دولار فقط، لزم أن نوضح بأن هناك أمور أخرى تظهر حقيقة تراجع إيرادات القناة في عام 2015، منها ما ستتحمله إيرادات القناة، من دفع فوائد لحاملي سندات تنفيذ توسعة قناة السويس، عبر التفريعة التي افتتحت في أغسطس 2015، وتصل تكلفة هذه الفوائد لنحو 7.5 مليار جنيه مصري، اي ما يقارب مليار دولار بالسعر الرسمي في البنوك المصرية.

وبذلك يكون التراجع في إيرادات قناة السويس في نهاية 2015، بحدود 1.2 مليار دولار، أي أن العائد الحقيقي والفعلي لإيرادات القناة سيكون حوالي 4 مليارات دولار أو أقل من ذلك قليلًا. وخطورة هذا الأمر أنه يأتي في ظل أزمة طاحنة تعاني منها مصر منذ الانقلاب العسكري، بشأن تدبير العملات الصعبة، لتوفير احتياجات الاستيراد للاستهلاك ولمتطلبات الصناعة، وكذلك احتياجات قطاع الخدمات.

فتراجع إيرادات قناة السويس، من شأنه أن يساعد بشكل أكبر في تعميق أزمة الدولار في مصر، ومن جانب أخر فإن أعباء سداد ديون هيئة قناة السويس، ليست قاصرة فقط على سداد التزامات السندات المحلية المقدرة بـ 64 مليار دولار، ولكن البنوك المحلية دبرت لهيئة القناة قروضًا بالعملة الصعبة خلال عام 2015، بلغت حوالي 1.3 مليار دولار، وهو ما يعني أن سداد فوائد هذه القروض سيكون بنفس عملة القرض، وهو ما يعني 200 مليون دولار أخرى، كفوائد سنوية مطلوبة على القروض الدولارية للقناة من البنوك المحلية.

الجانب الآخر لبيان حقيقة تراجع إيرادات قناة السويس، أن الموازنة العامة للدولة تتحصل على نوعين من الإيرادات من قناة السويس، الأول وهو العوائد الضريبية على عائدات القناة، وفي ظل تناقص إيرادات القناة في عام 2015، بشكل عام، وسداد التزاماتها من فوائد الديون على قروضها، سيكون بلا شك هناك تراجع كبير في العوائد الضريبية المتحصلة لصالح الموازنة على العوائد السنوية لإيرادات قناة السويس.

ويوضح التقرير الشهري لوزارة المالية عن شهر نوفمبر 2015، أن هناك تراجعًا ملحوظًا في العوائد الضريبية المتحصلة من هيئة قناة السويس، خلال عام 2015، بنحو 1.3 مليار جنيه، مقارنة بما كان عليه الوضع في 2014، حيث بلغت الضرائب المتحصلة على إيرادات القناة 14.3 مليار جنيه في عام 2014، وانخفضت إلى 13 مليار جنيه في عام 2015.

الأمر الثاني المتعلق بتأثير الموازنة العامة للدولة نتيجة تراجع إيرادات قناة السويس، هو أن الإيرادات غير الضريبية تحصل على ما يتبقى من صافي إيرادات القناة ليمثل موردًا مهمًا للإيرادات العامة للدولة، وحسب بيانات نفس التقرير يتضح أن  إيرادات قناة السويس قد بلغت 19.2 مليار جنيه مصر، ضمن الإيرادات غير الضريبية بالموازنة العامة في عام 2014/2015، مقارنة بـ 18 مليار في عام 2013/2014.

وهنا نسجل الملاحظة الأتية، أن البيانات المسجلة عن العام المالي 2014/2015، أخذت في الاعتبار فارق سعر الصرف الذي انخفضت فيه قيمة الجنيه المصري، وبالتالي ظهرت الإيرادات الخاصة بالقناة بزيادة قدرها 1.2 مليار جنيه، وهذه الزيادة ليست نتيجة ارتفاع في عوائد القناه، ولكنها نتيجة انخفاض قيمة الجنيه، أو ما يطلق عليه المحاسبون، فروق سعر الصرف.

إن إطلاق يد الإدارة الاقتصادية للانقلاب العسكري بمصر، لتربك إيرادات قناة السويس، بما يترتب عليه من تصاعد أزمة الدولار، وتراجع إيرادات مصر من النقد الأجنبي، أمر غير مقبول، وبخاصة بعد أن تأثرت موارد النقد الأجنبي بمصر في أكثر من مجال بشكل سلبي، مثل الإيرادات السياحية، وتحول الفائض في قطاع البترول إلى عجز منذ سنوات، ومؤخرًا التراجع الملحوظ في تحويلات العاملين بالخارج، والذي أظهرته بيانات الربع الأول للعام المالي 2015/2016، بنحو 417 مليون دولار، ومرشح للتراجع بمعدلات أكثر في ظل الأزمة الاقتصادية لدول الخليج.

كما أن التأاثير على الإيرادات العامة بالموازنة بشكل عام، من شأنه أن يكرس لتفاقم أزمة العجز بالموازنة العامة، والذي يمثل تحد للحكومات المصرية في ظل الانقلاب العسكري.

وينتظر المواطن المصري في ظل تراجع إيرات القناة، وما ترتب عليه من تراجع الإيرادات العامة بالموازنة، أن تتأثر الخدمات العامة بلا شك، وهو ما لمسه بالفعل في شكل ارتفاع معدل التضخم، وزيادة اسعار العديد من السلع والخدمات العامة.

  • مزيد من التراجع

يصنف الاقتصاديون الاقتصاد المصري منذ فترة بأنه اقتصاد ريعي، على الرغم من فرص التنوع الاقتصادي التي يتمتع بها منذ فترة، سواء من خلال الموارد البشرية أو الطبيعية أو المالية، ولكن من أداروا اقتصاد مصر على مدار عقود ماضية، ظلوا يتعتمدون على العوائد الريعية، دون أن يتحملوا مشقة التأسيس لمشروع تنموي لمصر.

ونظرًا لطبيعة وضع قناة السويس في معادلة التجارة الدولية، وكونها متغير تابع، كممر مائي، تظل عوائد القناة رهينة حركة التجارة الدولية، والتي تعاني من ركود ومعدلات نمو بطيئة، نظرًا للتعافي الهش لمعدل النمو في الاقتصاد العالمي.

ولابد أن يأخذ في الاعتبار أن ما يمر من سفن في قناة السويس يمثل 12% فقط من حجم التجارة العالمية، ومن شأن الأزمة الصينية، وما يتوقع لها من دلالات سلبية على الاقتصاد العالمي، يتوقع أن تقل حركة السفن المارة بقناة السويس، نتيجة التراجع في الطلب على النفط، من الصين، ومن بقية دول العالم.

ويبقى السؤال الذي يحتاج إلى إجابة، أو إن صحة الأمر أن تتم محاكمة من أهدر نحو 8 مليارات دولار في تفريعة جديدة لم تضف شئ للاقتصاد المصري، كما أثرت بشكل ملحوظ على عوائد قناة السويس، بسبب الالتزامات السنوية المتمثلة في سعر الفائدة، والالتزام الأكبر بنهاية عام 2016، حيث ستكون القناة مطالبة بسداد أصل القرض لحاملي سندات قناة السويس.

فعلى أي اساس بنيت دراسة جدوى المشروع؟، فلو كان التراجع في إيرادات القناة بحدود 290 مليون دولار، لكان الأثر أقل من الأأعباء المالية التي ترتبت على قرض توسعة القناة، والتي تصل لنحو ثلاثة أضعاف التراجع في العوائد بنهاية عام 2015.

ثانياً: عجز المدخرات والاستثمارات المحلية بمصر

المدخرات  المحلية هي عماد أية عملية تنمية ناجحة، وهذا ما أكدته تجارب العديد من تجارب الدول الصاعدة، سواء دول جنوب شرق آسيا، أو الصين، حيث تراوح متوسط نسبة المدخرات المحلية إلى الناتج المحلي ما بين 30% - 35%، بينما التجربة في مصر، تعكس فجوة كبيرة بين واقع المدخرات المحلية، ومتطلبات التنمية.

ففي الوقت الذي يتدفق فيه سنويًا نحو 850 ألف فرد من الداخلين الجدد لسوق العمل، تعجز امكانيات الاقتصاد المصري عن توفير فرص العمل اللازمة لهم، وحسب التقديرات الاقتصادية فإن مصر تحتاج إلى تحقيق معدل نمو سنوي في ناتجها المحلي الإجمالي بما لا يقل عن 7.5%، ولمدة لا تقل عن 10 سنوات متصلة، حتى يمكنها التفاعل بإيجابية مع الداخلين الجدد لسوق العمل، وكذلك تخفيف حدة البطالة الحالية، والتي تقترب من نسبة 13% من قوة العمل.

ولكي تصل مصر إلى معدل نمو في الناتج المحلي الإجمالي، يتناسب مع متطلبات التنمية من جهة، ومن جهة أخرى يواكب الزيادة في معدل السكان، فلابد أن يكون النمو في الناتج يساوي ثلاثة أضعاف معدل الزيادة السكانية، التي تصل إلى 2.5% سنويًا، أي أن معدل النمو المطلوب في الناتج المحلي لا ينبغي بأي حال أن يقل عن 7.5%.

وتحقيق معدل نمو بنسبة 7.5% سنويًا، يلزمه أن تصل المدخرات المحلية إلى 30%، حتى يمكن الدفع بهذه المدخرات في منظومة الاستثمارات المحلية، وبخاصة في إطار القطاعات الإنتاجية على وجه الخصوص، لأن الدفع بالاستثمارات في هذه القطاعات يساعد على وجود فرص عمل دائمة ومستقرة من جهة، ومن جهة أخرى يخفف من ضغوط الاعتماد على الواردات، فاتساع دائرة الاستثمار، من شأنه أن يؤدي إلى توفير السلع والخدمات، وبخاصة تلك التي يتم استيرادها من الخارج.

  • واقع المدخرات والاستثمارات المحلية

بين الواقع والمفترض في مصر فجوة كبيرة، وهي من آفات أداء الاقتصاد المصري منذ سنوات، وذادت حدتها بقوة بعد الانقلاب العسكري في يوليو 2013، وفيما يلي نتناول الأرقام الخاصة بهذين المؤشرين خلال الفترة من 2010/2011 – 2014/2015، لنقف على حقيقة أداء الاقتصاد المصري، ولما تتزايد حدة مشكلة البطالة، وكذلك زيادة الاعتماد على الخارج، وتضخم فاتورة الواردات بشكل دائم.

المدخرات والاستثمارات المحلية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بمصر خلال الفترة 2010/2011 – 2014/2015

 

المصدر: تم إعداد الجدول بواسطة الباحث من التقرير المالي الشهري لوزارة المالية نوفمبر 2015،  من خلال البيانات المنشورة بالجدول ص 1.

ويلاحظ من خلال البيانات الواردة في الجدول عاليه ما يلي:

  • أن هناك تراجع بشكل دائم خلال سنوات الفترة في نسبة المدخرات المحلية إلى الناتج المحلي، ففي عام 2010/2011، وصلت نسبة المدخرات إلى 13% من الناتج، بينما في عام 2014/2015، تراجعت هذه النسبة بشكل كبير لتصل إلى 5.9% فقط. ولهذا الأمر مجموعة من الدلالات، منها أن دخول المواطنين لم تعد تكف متطلبات معيشتهم بشكل كبير، بدليل تراجع نسبة مدخراتهم للناتج. الأمر الثاني أن تراجع المدخرات يعكس كذلك الفجوة التمويلية التي تعيشها مصر، وتلجأها للاقتراض الخارجي، حيث بدأت حكومة الانقلاب العسكري في سد جزء من الفجوة التمويلية عبر الحصول على المنح والمساعدات والوادئع من دول الخليج، وكذلك الاقتراض من الخارج، سواء من المؤسسات الإقليمية أو الدولية، أو عبر طرح سندات في السوق الدولية.
  • أن التراجع في نسبة المدخرات للناتج بين عامي 2010/2011 و2014/2014، بلغ نحو 7.1%، وفي نفس الوقت يلاحظ أن الناتج المحلي كقيمة قد زاد بين السنتين بنحو 94.8 مليار دولار، وهو ما يعني أن الزيادة في الناتج المحلي الإجمالي، قد تحققت من خلال الدين العام، سواء من الداخل أو الخارج، وهو ما يمكن رصده من خلال أرقام وزارة المالية في نفس التقرير، في ص 4، حيث ارتفع الدين المحلي بين العامين من 808 مليار جنيه مصر إلى 1988 مليار جنيه، أي أن الزيادة بين العامين تصل إلى 1180 مليار جنيه، وبنسبة تصل إلى 146%. أما الدين الخارجي بين العامين فقد وصل أيضًا إلى 39.8 مليار دولار في مارس 2015 مقارنة بـ 33.6 مليار دولار في يونيو 2010، أي أن الزيادة بلغت 6.2 مليار دولار، وبنسبة تصل إلى 18.4%.
  • ولا يخفى على القارئ أن اعتماد تمويل الناتج المحلي على الدين، من الأمور التي تكبل التنمية، وتحمل الموازنة العامة للدولة أعباء جديدة، كما أنها تعد عبئًا على الأجيال القادمة.
  • وإذا نظرنا إلى مؤشر الاستثمارات المحلية كنسبة من الناتج المحلي نجد أنه تراجع ايضًا خلال فترة المقارنة بالكامل، وبخاصة بعد الانقلاب العسكري، ففي حين كانت نسبة الاستثمارات المحلية 17.1% في عام 2010/2011، انخفضت تلك النسبة إلى 14.4% في عام 2014/2015. وبالتالي فتواضع نسبة الاستثمارات إلى الناتج المحلي تعكس حقيقة تواضع الناتج المحلي الإجمالي لمصر بشكل عام، وبخاصة في دولة يقترب عدد سكانها من المائة مليون نسمة، في حين أن دول أخرى يصل تعداد سكان إلى ثلث سكان مصر وتحقق ناتج محلي أكبر من هذا، فماليزيا بلغ ناتجها المحلي في 2014 نحو 338 مليار دولار، بينما مصر حققت في نفس العام 301 مليار دولار، وعدد سكان ماليزيا بحدود ثلث عدد سكان مصر.
  • ومن الضروري هنا أن نشير إلى وجود فجوة كبيرة بين المدخرات والاستثمارات المحلية بمصر، وأهمية الربط بين المؤشرين، كون المدخرات هي مصدر التمويل للاستثمارات. ففي حين كانت الفجوة بين المدخرات والاستثمارات في عام 2010/2011 نحو 3.9%، اتسعت هذه الفجوة في عام 2014/2015 لتصل إلى 8.5%، أي أن الفجوة بين المدخرات والاستثمارات كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي تضاعفت بين عامي المقارنة.
  • أسباب تراجع المدخرات والاستثمارات
  • بلا شك أن مصر منذ ثورة يناير 2011، تعيش حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، وزادت حدة هذه الحالة بعد الانقلاب العسكري، بشكل كبير، وضربت قطاع السياحة في مقتل من خلال حوادث العنف التي استهدفت السياح والمناطق السياحية في أهم مقصد سياحي بمصر وهو سيناء.
  • وبخصوص المدخرات، فيلاحظ أن متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بمصر لا يزال متواضعًا وهو في أحسن حالته بلغ 3761 دولار للفرد في السنة، بينما كان في عام 2010/2011 بحدود 2966، أي أن الزيادة المتحققة في متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي بعد خمس سنوات كانت بحدود 795 دولار، وبذلك يكون المتوسط لهذه الزيادة في نصيب الفرد من الناتج المحلي بحدود 159 دولار. ولذلك تقل المدخرات المحلية، وهي غير كافية لتحقيق الزيادة المطلوبة لتحقيق الطفرة المطلوبة في الاستثمارات المحلية.
  • أما فيما يتعلق بالاستثمارت، فهي تعاني من الكثير من المعوقات في مصر، وبخاصة في ظل ارتفاع معدلات الفساد والبيروقراطية لدى الجهاز الحكومي، كما شهد مناخ الاستثمار في مصر بعد الانقلاب العسكري، تدخلًا كبيرًا من قبل الجيش في الحياة الاقتصادية، وزادت مزاحمته للقطاع الخاص في مختلف المجالات الاقتصادية. 

ثالثاً: زيادة عجز الميزان التجاري لمصر مع الدول العربية

ثمة تحول جديد في علاقة مصر بالدول العربية في إطار العلاقات التجارية، وبخاصة تحول الفائض في الميزان التجاري بين الطرفين من الجانب المصري إلى جانب الدول العربية، وبلا شك أن هناك مجموعة من المتغيرات الاقتصادية، بعد الانقلاب العسكري، ادت إلى هذه النتيجة السلبية.

وحسب بيانات نقطة التجارة الدولية التابعة لوزارة التجارة والصناعة المصرية، فإن الفائض التجاري للدول العربية خلال الفترة (يناير -  سبتمبر) 2015 بلغ 989 مليون دولار في حين أنه كان في نفس الفترة من عام 2014 بحدود 264 مليون دولار.

ولعل هذا الأمر نتيجة طبيعية في ضوء تراجع الصادرات المصرية بشكل عام، وتزايد العجز في الميزان التجاري لمصر بعد الانقلاب العسكري، حيث تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى زيادة العجز بالميزان التجاري من 37.1 مليار دولار في عام 2013 إلى 46.2 مليار دولار في عام 2014.

ومن جانب آخر فإن هناك مستجدات في طبيعة العلاقة بين مصر والدول العربية، تتمثل في اشتراط الدول العربية في تعاملاتها الاقتصادية المتعلقة بتقديم دعمها للانقلاب العسكري، أن يكون في شكل عيني فيما يتعلق بالبترول ومشتقاته، أو مؤخرًا حيث اشترطت المملكة العربية السعودية غير مرة أن تكون مساهمتها في دعم الاقتصاد المصري، من خلال استيراد مصر لسلع سعودية، وذلك في ضوء دعم السعودية لبرنامج الصادرات الخاصة بصناعتها المحلية.

لقد كانت الأسواق العربية دومًا تصنف على أنهم من الأسواق التي يجب أن تغمرها الصادرات المصرية، لاعتبارات القرب الجغرافي، وكذلك اتفاقية التجارة العربية الحرة الكبرى، والتي تتيح للصادرات المصرية ميزة نسبية في الدخول للأسواق العربية مقارنة بغيرها من صادرات الدول الأخرى.

وحسب بيانات نقطة التجارة الدولية، فقد بلغت التجارة الخارجية لمصر مع الدول العربية 17.1 مليار دولار في عام 2011، وبما يمثل 18.3% من إجمالي تجارة مصر الخارجية التي بلغت 93.8 مليار دولار في نفس العام. أما بيانات عام 2014 فتظهر أن تجارة مصر مع الدول العربية قد ارتفعت إلى 19.3 مليار دولار، وبما يمثل 19.8% من إجمالي تجارة مصر الخارجية البالغة نحو 97.6 مليار دولار في نفس العام.

وفيما يلي نطالع البيانات الخاصة بتطور العلاقات التجارية لمصر مع الدول العربية، ورصد مظاهر التراجع لصالح الدول العربية، وذلك خلال الفترة من 2001 – 2014، وكذلك الشهور التسعة الأولى من عام 2015.

صادرات وواردات مصر للدول العربية خلال الفترة 2011 – 2014 القيمة بالمليون دولار

 

المصدر: وزارة التجارة والصناعة، بيانات نقطة التجارة الدولية.

ويلاحظ من الجدول عاليه، أن الميزان التجاري قد اختل عن أداه الطبيعي لعلاقة مصر التجارية مع الدول العربية، إذ كانت الأسواق العربية، فيما قبل سوقًا مستهدفًا للمنتجات المصرية الزراعية منها والصناعية.

ويظهر ذلك بوضوح من نتائج الميزان التجاري خلال عام 2011، حيث كانت العلاقة تحقق فائضَا لصالح مصر بمقدار ما يزيد عن مليار دولار، بينما الفترة ما بعد عام 2011، تبدلت فيها نتيجة الميزان التجاري ليتحول الفائض لصالح الدول العربية، باستثناء عام 2013، الذي انتهي بفائض لصالح مصر بنحو 585 مليون دولار. ويلاحظ أن هذه الزيادة تحققت في نفس العام الذي تولى فيه حكم مصر أول رئيس مدني منتخب، د محمد مرسي، حيث كان عامًا فريدًا بالنسبة للصادرات، والواردات معًا، حيث زادت الصادرات المصرية بشكل عام بنحو مليار دولار وتراجعت الواردات الإجمالي لمصر بنحو 3 مليارات دولار.

كما تبين الأرقام الخاصة بفترة الشهور التسعة الأولى لعام 2015 أن العجز بالميزان التجاري لمصر تزايد عما كان عليه سواء في نفس الفترة المناظرة من عام 2014، أو حتى مقارنة بالعجز المتحقق في عام 2014 بأكمله. حيث وصل العجز في الشهور التسعة الأولى من عام 2015 إلى 989 مليون دولار، بينما كان في عام 2014 بالكامل 445 مليون دولار، كما كان في الشهور التسعة الأولى من عام 2014 نحو 264 مليون دولار فقط.

  • مشكلة البترول

تعاني مصر من عجز كبير في احتياجاتها من الطاقة، وقد استقبلت مصر بعد الانقلاب العسكري دعمًا خليجيًا من المواد البترولية بشكل واضح، سواء من خلال المنح البترولية المجانية، أو من خلال التسهيلات الائتمانية التي منحتها دول الخليج لمصر على مدار النصف الثاني من عام 2013، أو في عامي 2014 و2015.

ويتوقع في ظل تزايد استهلاك مصر من الغاز والنفط، وتراجع إنتاجها، ان يؤدي ذلك إلى مزيد من العجز في ميزانها التجاري مع الدول العربية، لزيادة وارداتها خلال الفترة القادمة،

ولو انخفاض أسعار النفط في السوق العالمية، لكان العجز التجاري لمصر مع الدول العربية في معدلات مرتفعة جدًا.

ويلاحظ أن طبيعة السلع المبتادلة بين مصر والدول العربية، سلع تقليدية، ولا تضم المنتجات عالية التكنولوجيا، أو العدد والآلات، لأن كل من مصر والدول العربية لا تنتج هذه السلع، وتعتمد على استيرادها من الخارج، فمصر مثلًا تصدر للدول العربية، مواد البناء، والكيماويات والأسمدة، والسلع الهندسية والالكترونية، والملابس الجاهزة والمفروشات، والأثاث المنزلي، بينما واردات مصر من الدول العربية تتمثل في البترول ومنتجاته، وحديد التسليح، والكيماويات.

وبلا شك أن الصادرات المصرية للدول العربية بشكل خاص ولباقي دول العالم بشكل عام، سوف تواجة مجموعة من التحديات خلال الفترة القادمة، بسبب السياسات الاقتصادية، التي من شأنها أن ترفع من تكلفة الصادرات المصرية، مثل ارتفاع تكلفة الطاقة للصناعة، وباقي الخدمات الأخرى من مياه ومستلزمات الإنتاج، وبالتالي يتوقع أن تكون نتيجة الميزان التجاري خلال الفترة القادمة لصالح الدول العربية، وبقيمة أكبر مما تحقق في عامي 2014 و2015.

رابعاً: ارتفاع مدفوعات مصر عن الاستثمار الأجنبي

كثيرًا ما تغنت الحكومات المصرية للاستثمار الأجنبي، وعلقت عليه آمالها بأنه الحل السحري لمشكلات مصر الاقتصادية، أنشئت من أجله المناطق الاقتصادية بصورها المختلفة، وسنت التشريعات التي تفتح الأبواب على مصراعيها للاستثمارات الأجنبية، سواء كانت في مجال الاستثمار المباشر، أو غير المباشر.

المحصلة بعد كل هذه السنوات، أن الثمرة التي كانت ترجوها مصر من هذه الاستثمارات تحولت إلى مغرم، فلم تسهم هذه الاستثمارات في تحقيق طفرة بالصادرات المصرية، أو تساعد على تخفيف حدة البطالة، أو تجلب تكنولوجيا متقدمة، أو تحقق استقرارًا في سوق الأوراق المالية على صعيد الاستثمارات غير المباشرة.

نتائج ميزان المدفوعات تبين المحصلة السلبية لوجود تلك الاستثمارات بمصر، فما يخرج من مصر في شكل عوائد على الاستثمارات الأجنبية، يفوق بكثير المتحصل لصالح مصر من استثماراتها الخارجية، وتسمح القوانين المصرية بخروج كامل الأرباح للمستثمر الأجنبي دون قيد أو شرط، ولم تواجه هذه الاستثمارات أية مشكلة في خروج أرباحها خارج مصر، إلا بعد وجود مشكلة في الموارد الدولارية، بسبب انخفاض احتياطيات مصر من النقد الأجنبي، ومع ذلك كرس البنك المركزي جهوده لإنهاء هذه المشكلة، بعد مضي نحو 6 أشهر من عام 2015، ليحصل مستثمري البورصة الأجانب على كامل أرباحهم وخروجها من مصر.

إن المستثمرين الأجانب لا يكفون عن الحصول على التمويل الخاص بمشروعاتهم، من البنوك المصرية، سواء في مراحل التأسيس، أو التشغيل، ولا تلزمهم القوانين المصرية، بتوريد كامل رأس المال لمشروعاتهم، ومع ذلك تخرج أرباحهم كاملة في ظل حماية القوانين المصرية، التي لم توازن بين الأرباح والخسائر لوجود هذه الشركات بمصر.

وفيما يلي نستعرض متحصلات ومدفوعات مصر عن الاستثمار، لنرى الأداء شديد السلبية، في هذا الأمر، وهو ما يعكس أن مصر قد تحولت لمجرد سوق استهلاكي.

دخل ومدفوعات مصر عن الاستثمار خلال الفترة 2010/2011 – 2014/2015 القيمة بالمليون دولار

 

المصدر: وزارة المالية المصرية، التقرير المالي الشهري، نوفمبر 2015، جدول 38، ص 65.

  • يلاحظ من الجدول عاليه أن إجمالي عوائد استثمارات مصر بالخارج على مدار خمس سنوات بلغ 1.2 مليار دولار، بينما ما دفعته مصر عن الاستثمارات الأجنبية المتواجدة على أراضيها يصل إلى 34.5 مليار دولار خلال نفس الفترة، وبذلك يكون الفارق لصالح تدفقات عوائد الاستثمار الأجنبي لخارج مصر بنحو 33.2 مليار دولار، أي أن مصر تحقق 3.6% من اجمالي ما يخرج منها كعوائد على الاستثمارات الأجنبية الموجودة على أراضيها.
  • الامر الثاني أنه في عام 2010/2011 بلغت عوائد استثمارات مصر بالخارج 419 مليون دولار، في حين أنها تراجعت في عام 2014/2015 إلى 213 مليون دولار، أي أن قيمة التراجع بلغت 206 مليون دولار، وبنسبة تراجع قدرها 49% مما كانت عليه الأوضاع في عام 2010/2011.
  • ويعد عام 2010/2011 هو الأفضل بين سنوات الفترة من حيث العائد بنحو 419 مليون دولار، بينما يعد عام 2013/2014 هو الأسوأ من حيث العائد على استثمارات مصر في الخارج، حيث بلغت هذه العوائد 194 مليون دولار. وما يمكن استنتاجه هنا هو أن قيمة استثمارات مصر في الخارج شديدة التواضع لدرجة أن يكون العائد عليها محدود لهذه الدرجة، أو أن المستثمرين المصريين في الخارج يفضلون بقاء عوائد استثماراتهم في الخارج ولا يعودون بها لمصر.
  • يعد عام 2014/2015 هو الأقل بين سنوات الفترة من حيث المدفوعات عن الاستثمار للأجانب بنحو 6.2 مليار دولار بينما عام 2012/2013 كان الأكبر بين سنوات الفترة لخروج عوائد الاستثمار من مصر بنحو 7.6 مليار دولار.
  • وتعكس الأرقام الواردة بالجدول تأثير هذا الأمر على أزمة الدولار في مصر خلال فترة المقارنة، والتي تراجعت فيها الموارد الدولارية لمصر بشكل كبير، ومما يؤسف له أن المستثمر الأجنبي، يستمر في حركة خروج ارباحه أو عوائد استثماراته من مصر عبر الجهاز المصرفي، والذي يوفر له الدولار بالأسعار الرسمية، بينما لا يتحمل هذا المستثمر أية مخاطر لتدبير أرباحه من السوق السوداء.

ويظل وضع الاستثمار الأجنبي محل نظر في مصر، لفتح الكثير من الثغرات التي أدت لخسائر اقتصادية لمصر، ولم تجني منه الثمار المرجوة، كما نجحت التجربة في دول أخرى، مثل دول جنوب شرق آسيا، حيث تحققت مصالح مشتركة بين الطرفين، وبقى كل طرف حريص على بقاء الآخر.

ومن الغريب أن الشركات الأجنبية الموجودة بمصر أعلنت غير مرة بعد الانقلاب العسكري عام 2013، أنها ستغادر السوق المصري بسبب أزمة الدولار، وأن البنوك عجزت عن أن توفر لها الدولار الخاص باستيراد مستلزمات الإنتاج، في حين تحرص هذه الشركات على خروج أرباحها السنوية بشكل كامل، ولا تستثمر جزء منها في تلبية هذه الاحتياجات، وبما يخفف من الضغوط على الجهاز المصرفي، وكذلك التخفيف من حدة الطلب على الدولار، وتهدئة أسعار الصرف بالسوق السوداء.

ويلاحظ أن شركات النفط الأجنبية وحدها حصلت على مستحقات سابقة لها خلال عام 2015 بنحو 5 مليارات دولار، فضلًا عن مستثمري البورصة، والذين يمارسون ضغوط غير مسبوقة على حكومة الانقلاب العسكري بمصر، مثل رفضهم لقانون فرض ضرائب على تعاملات البورصة، وتهديدهم بالخروج من السوق المصرية، والذهاب للأسواق الماورة التي لا تفرض ضرائب على تعاملات البورصة بها.

لقد تحولت الاستثمارات الأجنبية بمصر إلى عبء على الاقتصاد المصري، فبعد مزاحمة الصناعة المصرية، واحتكار الأسواق في بعض السلع المهمة، في مجالات الغذاء والمنظفات الصناعية على سبيل المثال، تأتي قضية خروج الأرباح لتمثل رقمًا مهمًا في أداء ميزان المدفوعات.

إن النتائج التي تظهرها الأرقام الواردة بالجدول عاليه من شأنها أن تجعل متخذ القرار وصانع السياسة الاقتصادية أن يسعى لوضع ضوابط على حركة هذه الأموال، بما يضمن تحقيق استقرار بسوق الصرف، ويؤدي إلى وجود توازن في الطلب على الدولار، وبخاصة أن مصر تمر بأزمة تمويلية حادة، تجعل من حقها فرض ظروف استثنائية، مثل السماح بنسبة معينة من أرباح المستثمرين الأجانب للخارج، وليس كل الأموال.

ولكن الإدارة الاقتصادية في ظل الانقلاب العسكري، تجد نفسها أمام أزمة اقتصادية بشكل عام، وتمثل قضية عجز الموارد الدولارية أحد جوانبها، ولذلك تسعى الحكومة بكل جهودة في مخاطبة ود المستثمر الأجنبي، دون الاكتراس بتبعات هذا الوجود.

خامساً: الحكومة تحرم المصريين من الاستفادة بانخفاض اسعار النفط والغذاء

من المقولات التي يرددها كثير من المسؤلين المصريين على سبيل الفخر، ان مصر جزء من العالم ولابد ان ترتبط وتتشابك بالاسواق العالمية فى الاسعار وفى التجارة الخارجية من الصادرات والواردات، وبناء على هذه الفرضية، يجب أن ينعم المصريون بما يتحقق في الأسواق العالمية من تراجع في اسعا السلع والخدمات، ولكن الواقع أن المصريين يدفعون فاتورة سلبيات الاندماج في الاقتصاد العالمي، من إغراق، واسعار عالمية لغالبية السلع والخدمات رغم حرمانهم من النصف الثاني للمعادلة، وهو أن أجورهم لا ترتبط إطلاقًا بالمنظومة العالمية، كما أنهم لا يشعرون بأي أثر في الأسواق المحلية نتيجة انخفاض أسعار السلع في الأسوق العالمية. 

فوفق مجلة الايكونمست فان اسعار المواد الغذائية والزراعية قد انخفضت بنسبة ٤٠٪ على المستوى العالمى، والاسعار فى مصر تاخذ فى التزايد وتدعى الحكومة انها تقوم بدعم السلع الغذائية المقدمة للمواطنين، رغم سوء الخدمات المقدمة للمصريين سواء ارتبط ذلك بخدمات التعليم او الصحة او تدهور فى المرافق العامة كالطرق والكبارى وغيره.

وليس هذا فحسب، فبعد ارتفاع معدلات التضخم لنحو 12% حسب الأرقام الحكومية، فالفساد يلاحق المواطن المصري في أهم مقومات حياته وهو الغذاء، حيث يعلن بين الحين والآخر، عن استيراد أقماح مسرطانة، أو نفوق كميات كبيرة من الأسماك في نهر النيل، ووجود مخاوف من تسرب هذه الأسمالك للأسواق، بل أدى الأأمر إلى إغلاق بعض محطات الشرب بمناطق بمحافظات الوجه البحري، بسبب ارتفاع نسب التلوث بالنيل نتيجة نفوق الأسماك بكميات كبيرة.

ايضا مثال آخر، وهو زلزال انهيار اسعار البترول، والذي جعل اسعار البترول ومشتقاته تنخفض فى العالم الا فى مصر، فلماذا تنخفض اسعار البترول فى العالم ولا تنخفض فى مصر. ففى الولايات المتحدة الأمريكية انخفضت اسعار الوقود الى الربع وهو اقل رقم تبلغه منذ قرابة ١٣ عاما، فالاسعار فى اغلب الدول المتقدمة تاخذ اتجاه الصعود والهبوط، اما فى مصر فى الاسعار تاخذ اتجاه واحد، وهو الصعود فقط.

لكن العجيب ان تقوم الحكومة دائما برفع الاسعار كافة السلع وربطها بالاسعار العالمية ولا تقوم بخفض الاسعار حينما تنخفض الاسعار فى العالم، وبطبيعة الحال لايوجد اى ربط بين الاجور المحلية والعالمية.

والحكومة التى تعانى عجزا فى الموازنة العامة نتيجة الدعم المقدم للطاقة والذى يذهب فى اغلبه لمصانع رجال الاعمال، فدعم الطاقة يتضخم كل عام، فبعد أن كان في موازنة عام 2006/2007 بنحو ٤٠ مليار جنيه بما يعادل قرابة ٥ مليار دولار، فقد ازداد ليسجل نحو 125 مليار جنيه في موازنة 2013/2014 ثم ١٠٠ مليار فى موازنة العام الماضى، ثم تم تخفيضه ليصبح ٦١ مليار دولار فى العام المالي الجارى 2015/2016.

والسؤال الان اذا انخفض سعر البرميل الى اقل من ٣٠ دولارا لماذا لا يلغى الدعم بالكامل على الطاقة الموجه للصناعة ونتخلص من هذا العبء فى مصر على الموازنة. وحكومة الانقلاب كان امامها فرصة من ذهب لترك اسعار الطاقة لقوى الطلب والعرض بما يحسن من كفاة السوق فى توزيع الموارد، لكن هذه الحكومة وبشبكة الفساد المتجذر مع قطاع رجال الاعمال لا يمكنها ان تتخذ قرارات من شأنها الحد من تدهور اداء الاقتصاد المصرى.

من المفترض أن يؤدي انخفاض البترول الى تحسن ايجابى فى نقص الانفاق على الواردات البترولية حيث ان مصر تستورد اغلب مشتقات البترول من الخارج وتقوم بتصدير البترول الخام، فمما لاشك فيه ان الانفاق على الواردات البترولية سينخفض مما يؤدى الى زيادة المعروض من الدولار، فهل حدث هذا فى مصر؟ على العكس نجد ان الدولار ياخذ هو الاخر اتجاها صعوديا حتى تجاوز الدولار فى السوق الموازية ٨,٦٧ جنيها مؤخرًا.

وسيكون لانخفاض أسعار النفط آثار سلبية متعددة، منها ما يرتبط بالاستثمار الاجنبى او العربى المباشر فى مصر خذ على سبيل المثال بلد مثل السعودية والتى تعد داعما اساسيا للانقلاب في مصر، فالسعودية تنتج ١٠ مليون برميل يوميا، وبعد انهيار سعر البرميل من ١1٠ دولارا إلى ٣٠ دولارا، حدث لديها تدهور فى الايرادات بمليار دولار يوميا، اى ان الخسارة تقدر بـ ٣٥٠ مليار دولار سنويا فهل ستسطيع السعودية ان تستثمر فى مصر فى ظل الانخفاضات المتتالية فى اسعار السوق العالمية للبترول؟

والامر نفسه سينطبق على الشركات الاجنبية، فالشركة الايطالية “ اينى “ التى اعلنت فى شهر اغسطس من العام الماضى انها اكتشفت اكبر مخزون من الغاز الطبيعى فى العالم فى مصر ومع انخفاض أسعار البترول بهذا الشكل فإن الشركة ستكون مجبرة على التراجع عن استثماراتها فى مصر، فالاستثمار فى قطاع البترول اصبح غير ذى جدوى اقتصاديا. وثمة توقعات قوية بتراجع الدعم الوارد من دول الخليج لحكومة الانقلاب في مصر نتيجة انخفاض العوائد البترولية، والتي اثرت على الوضع الاقتصادي بدول الخليج، وابرز مثال على ذلك رفع اسعار البترول والوقود فى السعودية بنسبة ٣٠٪ فى الاونة الاخيرة.

فلن تستطيع دول الخليج ان تدعم هذه الحكومة كما كانت من قبل، والذى يؤكد ذلك سعي حكومة الانقلاب لاقتراض لمليار دولار من الصين لدعم الاحتياطى، وكذلك إعلانها عن الدخول في برنامج للخصخصة يشمل بنوكًا وشركات رابحة، لتغطية عجزها المالي، مضحية بثروة البلاد، وفقدان دور التوازن في السوق، وتحجيم شطط القطاع الخاص، من خلال ملكية الدولة للمشروعات والبنوك العامة.

والسؤال الذي يحير المواطن المصري الآن، هو: لماذا تنقلب النعم فى مصر الى نقم؟! ، فانخفاض اسعار الطاقة والغذاء فى العالم كان ينبغى ان يكون نعمة للمصريين ولكن حتى انخفاض الاسعار تحول الى نقمة على يد هذه الحكومة المنكوبة، اليس امرا محيرا ان تكون مصر والمصريين عبء على العالم ؟

أعلى