العسكر وتدمير اقتصاد مصر: الجزء الأول
الملفات البحثية > ملفات مصرية > ملفات اقتصادية

العسكر وتدمير اقتصاد مصر: الجزء الأول

عبد الحافظ الصاوي
يناير ٢٤, ٢٠١٦

تقديم:

شهد الاقتصاد المصري تحت حكم العسكر بعد انقلاب 3 يوليو 2013، العديد من الممارسات والسياسات الخاطئة، التي كان لها العديد من التداعيات الخطيرة ليس فقط على حاضر هذا الاقتصاد ولكن على مستقبله، وفي هذا الملف نرصد أهم ملامح هذه السياسات وتلك التداعيات:

أولاً: غلاء الأسعار:

تحت الانقلاب شهدت الأسعار قفزة كبيرة، شكلت معاناة إضافية على المواطنين من محدودي الدخل دون أي رقابة حكومية لضبط الأسعار وإنقاذ المواطنين وهو ما أثر كثيراً على المواطن الفقير وقوته الشرائية ونمط حياته بشكل خطير.

فقد أكد الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فى بيان له أن ارتفاع أسعار السلع أدى إلى زيادة معدل التضخم فارتفع المعدل السنوي خلال أكتوبر 2013 مقارنة بشهر أكتوبر 2012 ليسجل 11.5%، ووصل معدل التضخم إلى أعلى مستوياته خلال العام 2015 بنسبة 13.1% وأعلن البنك المركزي المصري أن التضخم ارتفع بين شهري سبتمبر وأكتوبر 2015 بنسبة تتراوح ما بين 5.5% - 6.2%.

وقد نتج عن الارتفاع في سعر صرف الدولار أمام الجنيه على مدار العامين الماضيين، العديد من الأزمات فارتفعت أسعار جميع السلع خصوصًا الغذائية واختفت كذلك سلع مهمة كبعض أنواع الأدوية ووفقا لما أكدته نقابة الصيادلة فإن ارتفاع سعر الدولار أحدث أزمة حقيقية لدى بعض شركات الأدوية حيث بات بعضها مهدد بوقف الإنتاج وإغلاق المصنع بسبب عدم قدرة الشركات على استيراد المواد الخامة المستخدمة في صناعة الأدوية مما أثر بشكل سلبي على احتياج المواطن للدواء خاصة وأنه حتى الآن وصلت نواقص الأدوية إلى مايقارب الـ 800 صنف دوائي وأصبحت هذه النواقص غير موجوده تماما بالسوق وبعضها اختفى بكل بدائله.

وشهد عام 2014 و2015 زيادة كبيرة فى أسعار الوقود حيث رفعت الحكومة أسعار المحروقات لتقليل عجز الموازنة الذي وصل إلى 340 مليار جنيه فتم رفع سعر لتر بنزين 80 إلى 1.60ج بدلاً من 90 قرشاً ورفع سعر لتر بنزين 92 إلى 2.60ج بدلاً من 1.85ج وتم رفع سعر لتر بنزين 95 إلى 6.65ج بدلاً من 5.65ج ورفع سعر السولار إلى 1.80ج بدلاً من 1.10ج.

ولما سجلت أسعار بنزين 80 زيادة 77% كان من الطبيعي أن تزيد أسعار المواصلات العامة بنسب تبدأ من 25% أما عن أسعار تذاكر القطارات فقد سجلت زيادات هائلة حتى وصلت الزيادة في التذكرة الواحدة ببعض القطارات إلى 50 جنيه أو ما يعادل نسبة 62% ومثال على ذلك بلغ سعر تذكرة أولى اكسبرس أسباني القاهرة أسوان في عام 2013 كان 81 ج ووصلت في عام 2015 إلى 132ج أما درجة ثانية فقدرت في عام 2013 بـ 47ج ولكنها وصلت في عام 2015 إلى 67ج وعن الوجه البحري فقد وصلت تذاكر أولى مكيف القاهرة إسكندرية عام 2013 إلى 26ج وفي عام 2015 أصبحت 51ج وكان سعر تذكرة الدرجة الثانية 16ج وصل في عام 2015 إلى 30ج.

وعن زيادة أسعار الحديد ومواد البناء فقد أشارت بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن سعر طن الحديد بلغ نحو 5316ج فى سبتمبر 2014 مقارنة بنحو 5018ج فى سبتمبر 2013 بزيادة نسبتها 6%. 

وعن زيادة سعر الحديد فى عام 2015 أكد أحمد الزينى رئيس شعبة مواد البناء بغرفة القاهرة التجارية أن سعر الحديد والأسمنت شهد ارتفاعًا فى الأسعار للمستهلك في الأسواق بسبب أزمة نقص الدولار وتراجع بعض خطوط الإنتاج للمنتجين وعدم قدرتهم على توفير المواد الخام مضيفا أن متوسط ارتفاع أسعار الحديد تراوحت ما بين 300 إلى 500 جنيه ليتراوح سعر الطن ما بين 5300 : 5500ج.

ومما لا شك فيه أن الزيادة فى أسعار الحديد ومواد البناء أثر بالتأكيد على أسعار الوحدات السكنية حيث لوحظ ارتفاع في أسعار الوحدات السكنية عام 2015 عما كانت عليه فى 2013 بنسبة تتراوح بين 10% فى بعض الأماكن و15% فى بعض الأماكن الأخرى.

وأكد العديد من خبراء الاقتصاد أن ارتفاع الأسعار لا يتناسب مع المرتبات حيث إن المرتبات لا تزيد بمعدل يتناسب مع زيادة الأسعار وفى ظل هذه الأوضاع عمت موجة من الغضب العارم موظفي القطاع الحكومي مع تطبيق نظام الأجور الجديدة المقرر بقانون الخدمة المدنية حيث قرر وزير المالية هاني قدري دميان تطبيق نظام الأجور الجديد بدءًا من شهر يوليو عقب إقرار قانون الخدمة المدنية وأكد الكثير من خبراء الاقتصاد أن تطبيق قانون الخدمة المدنية ليس في مصلحة الموظف البسيط الذي ينتظر راتبه بشغف في نهاية كل شهر في ظل ارتفاع الأعباء المالية وارتفاع أسعار السلع والخدمات الرئيسية.

وفي الختام فإن السيسي قائد الانقلاب العسكري، أكد شخصيا على أن المصريين سيعيشون حالة اقتصادية سيئة خلال الأيام المقبلة بسبب قلة الموارد لافتا إلى أنه يمكن أن يظلم جيل أو جيلين قادمين حتى تعيش الأجيال القادمة في رخاء داعيا المصريين للتقشف وللتبرع من أجل مصر وذلك رغم الإعلان المتكرر عن زيادة رواتب أفراد القوات المسلحة والشرطة والقضاء، وهو مادفع بشواهد كثيرة لدى البعض مصر قد تواجه ثورة جياع قريبًا.

ثانياً: انهيار الزراعة في مصر

بلغ الناتج المحلي الزراعي لمصر نحو 276.7 مليار جنيه، في عام المالي 2013 / 2014، بنسبة 14.3 % من الناتج المحلي الإجمالي للعام المالي نفسه، والذي بلغ نحو 1930.6 مليار جنيه، بينما قٌدر الناتج المحلي الزراعي وفقاً للخطة الاقتصادية والاجتماعية لمصر للعام المالي 2014/2015 بنحو 352.5 مليار جنيه بنسبة 14.5% من الناتج المحلي الإجمالي والمقدر بنحو2431 مليار جنيه.

كما يستحوذ القطاع الزراعي على نسبة 27% من القوى العاملة بمصر، والبالغة نحو 26 مليون عامل وتسهم الزراعة بنحو 20 % من الصادرات السلعية المصرية، وتقدر المساحة المزروعة بنحو 8 مليون فدان، ما أراض قديمة ومستصلحة.

أهم التحديات التي تواجه الزراعة المصرية حالياً:

  • ارتفاع معدلات التلوث البيئي من المخلفات الزراعية، (26 – 28 مليون طن سنويا) .
  • استمرار تبني تركيبة محصولية لا تتناسب ومشكلة مصر من المياه، حيث تعتمد هذه التركيبة على محاصيل ذات استهلاك مرتفع من المياه، فضلا عن اعتماد نسبة كبيرة من الأراضي الزراعية على طريقة الري بالغمر .
  • ارتفاع نسبة الفاقد في الإنتاج الزراعي، بمختلف مراحل الإنتاج الزراعي، وعدم الربط بصورة كبيرة بين المنتجات الزراعية والدخول في مراحل التصنيع الزراعي .
  • تفتيت الملكيات الزراعية، وتعرض مساحات كبيرة للاعتداء عليها بغرض إقامة المساكن .
  • ارتفاع تكاليف الإنتاج، من مستلزمات ومعدات، وعدم توفير الوقود بالكميات الكافية خلال مراحل الإنتاج الزراعي المختلفة، وكذلك تواضع الاستثمارات المنفذة في القطاع الزراعي .
  • التهديدات المتعلقة بتوفير مياه النيل ومحدودية الموارد المائية الأخرى، وعدم قدرتها على تلبية الطلب المتزايد بزيادة عدد السكان مما أدى إلى انخفاض متوط نصيب الفرد من المياه.
  • جمود السياسات الاتنمائية لقطاع الزراعة واقتصارها على الأنماط التقليدية .
  • ضعف الرقابة على المدخلات الزراعية خاصة التقاوي والأسمدة والكيماويات .
  • التعديات على المجارى المائية في بدايتها، لري أراضي  وضع اليد، وتغيير نظم الري المصمم عليه المشروع من الري المتطور المُرشد في الاستهلاك إلى طرق الري بالغمر.

 ولللأسف الشديد رغم هذه المشكلات والتحديات التي يعاني منها القطاع الزراعي في مصر، جاءت خطة الدولة للعام المالي 2015 / 2016 لُتزيد حجم هذه المشكلات، وتهدد هذا القطاع حالياً ومستقبلاً حيث تم تخفيض ميزانية وزارة الزراعة للعام المالى 2015 / 2016، فمخصصات البحوث والاستثمارات تم تخفيضها بنسبة بلغت ٦٨ %، وقد تم تخفيض ميزانية الباب السادس للميزانية المخصص للخطة الاستثمارية، واكتفت فقط بالباب الاول المخصص للأجور.

أهم التداعيات المتوقعة لتخفيض ميزانية وزارة الزراعة:

1 – تخفيض ميزانية البحوث بمركز البحوث الزراعية من 69 مليونًا إلى 20 مليون جنيه، مما سيحول العلماء والباحثين إلى مجرد موظفين لا همَّ لهم إلا التوقيع بكشوف الحضور والانصراف، ووقف المشاريع البحثية التي ترمي إلى زيادة كفاءة المحاصيل والزراعات.

2 – تخفيض ميزانية مركز بحوث الصحراء من 32 مليون جنيه إلى 13 مليون جنيه، وتخفيض ميزانية قطاع استصلاح الأراضي من 243 مليون جنيه إلى 200 ألف جنيه، ما يهدد مشروع استصلاح المليون فدان، الذي أعلن عنه في وقت سابق.

3 – إلغاء أكثر من 15 مشروعًا بحثيًا لخدمة القطاع الزراعي بمركز البحوث الزراعية، بالإضافة إلى 12 برنامجًا بحثيًا في مركز بحوث الصحراء .

4 – تهديد برامج مكافحة الامراض الوبائية التابع لهيئة الخدمات البيطرية، بعد تخفيض ميزانية هيئة الخدمات البيطرية من 40 مليون جنيه إلى 21 مليون جنيه، رغم مطالبات سابقة برفع ميزانية الهيئة إلى 100 مليون جنيه، ما يتسبب بعجز حاد في توفير الامصال واللقاحات الأساسية التي توفرها الهيئة لنحو 9 ملايين رأس ماشية يمتلكها الفلاحون .

5 –تخفيض ميزانية هيئة تنمية الثروة السمكية من 160 مليون جنيه إلى 120 مليون جنيه، وتخفيض ميزانية جهاز تحسين الاراضي من 60 مليون جنيه إلى 20 مليون جنيه، مما يهدد البرامج البحثية لتطوير انتاجية المحاصيل الزراعية لتقليل الفجوة الغذائية ويشكل تهديدا خطيرا للبحث العملي .

6 – تخفيض ميزانية الديوان العام من 436 مليون جنيه إلى 233 مليون جنيه، مما سيترتب عليه إلغاء 10 مشروعات تتبع الديوان العام، ويحول العلماء إلى موظفين همهم الاكبر التوقيع في كشوف الحضور والانصراف ..

7- الإضرار بالثروة الحيوانية في مصر التي يعتمد عليها ما يقرب من 51 مليون مزارع مصري، ويستفيد منها الشعب بأكمله، الأمر الذي يزيد من أعباء الفلاح المصري، وإغراقه في المشاكل والديون، وبالتالي مزيد من الهجرة للأراضي الزراعية، وزيادة أكبر في أعداد الفقراء بمصر.

أهم المشكلات التى واجهت الفلاحين بعد الانقلاب

من أبرز المشكلات التي رصدها مركز الأرض لحقوق الإنسان مايلي :

1 – تهديد صغار الفلاحين المتعثرين فى سداد ديون بنك التنمية بالحبس، ومنهم بالفعل من يقضى عقوبة جنائية بسبب هذه القروض، حسب تصريح وزير الزراعة فإن أكثر من 250 ألفًا متعثرٌ فى سداد ديونه لبنك التنمية، وتأكيد الوزير على عدم إسقاط ديون الفلاحين.

2 – ارتفاع أسعار الأسمدة حيث تم زيادة طن السماد نحو 500 جنيه ليصل إلى 2000 جنيه، حيث يتحمل المزارع الصغير هذه الزيادات وتؤدى إلى انخفاض دخله ورفع أسعار الخضر والغذاء بالنسبة للمواطنين. هذا على الرغم من أن إنتاج مصر من السماد يصل إلى 16 مليون طن كل عام ولا تزيد احتياجات زراعتنا السنوية على عشرة ملايين طن. وتفضل الشركات المنتجة تصدير السماد عن تلبية الاحتياجات المحلية.

3 – ارتفاع إيجارات الانتفاع بالأراضى المستصلحة وثمن تمليكها إلى خمسة أضعاف حيث قامت هيئة الاستصلاح وتعمير الصحراء برفع أثمان الأرض التى سلمتها للمزارعين المتضررين من تطبيق القانون 96 لسنة 92 من نحو 15 ألف جنيه للقطعة التى تبلغ مساحتها فدانين ونصف إلى 50 ألف جنيه.

4 – نقص وتلوث مياه الرى فى مناطق عديدة: حيث يضطر الفلاحون في بعض الأحيان لاستخدام مياه الصرف الصحي في الري نتيجة نقص المياه، كما يعاني المزارعون من تلوث مياه الشرب تلوثًا كيماويًا بسبب الأخطاء الحكومية في معالجة المياه أو في شبكات الصرف التي تختلط فيها مياه الصرف بمياه الشرب

5 –انخفاض دخول الفلاحين بسبب ارتفاع تكاليف عملية الزراعة في كل مراحلها من الحرث وحتى الحصاد نظراً لاعتمادها على السولار والكهرباء التى ارتفع سعرها خلال عام 2014 إلى أكثر من 50% فى بعض المناطق وبالتالى قلت دخول المستأجرين نتيجة هذا الارتفاع . بالإضافة إلى ارتفاع أسعار المستلزمات الزراعية من أسمدة ومبيدات وتقاوٍ وغيرها.

بالنسبة لمحصول القطن فقد أشارت بعض التقارير إلى ما أنتج هذا العام من محصول القطن كأن الأقل من حيث الحجم على مدار الـ 100 عام الماضية، فكمية الأقطان التي تم حلجها خلال الفترة (آذار/مارس – أيار/مايو 2014) بلغت 395 ألف قنطار، مقابل 485.9 ألف قنطار في الفترة المقابلة من العام الماضي .

وبالتالي تأثرت الصادرات المصرية من القطن، حيث تشير البيانات إلى أن صادرات القطن خلال نفس الفترة المذكورة بلغت 106.5 ألف قنطار متري، مقابل 351.7 ألف قنطار متري خلال نفس الفترة المقابلة من العام الماضي.

ثانياً: تضخم الدين العام:

على الرغم من أن قضية الدين العام في مصر، تعد عرض لمجموعة من الأمراض المزمنة، من هشاشة الناتج المحلي، وعجز الموازنة، وخلل ميزان المفوعات، إلا أنها لم تنل الاهتمام اللازم من قبل الحكومات المصرية المتتابعة، وبخاصة بعد الانقلاب العسكري في مصر.

فسلوك الحكومة المصرية بعد يوليو 2013، كان يصب في زيادة معدلات الدين، واللعب بمقدرات السياسة النقدية لتكون في خدمة السياسة المالية، عبر خفض اسعار الفائدة على سندات وآذون الخزانة، ومن جهة أخرى، لم تسع الحكومة لأية اصلاحات مالية حقيقية في الموازنة العامة للدولة، لا في قطاع الضرائب، أو الأجور والمرتبات، وكل ما أعلن عنه في هذا الصدد، يعد الآن حبر على ورق، بعد تأجيل قانون الضرائب على أعمال البورصة، وإلغاء العمل بالحد الأقصى للأجور لرجال النيابة والقضاء، وكذلك موظفي البنوك.

ولذلك ستظل قضية الدين العامة ضاغطة على الكثير من الأنشطة الاقتصادية المهمة في حياة المصريين، من ضرورة تحسين خدمات التعليم والصحة والبنية الأساسية، وبخاصة في مجال المياه الصالحة للشرب، أو الصرف الصحي الآمن.

إن فوائد الدين العام كما ترصدها موازنة العام المالي 2015/2016 تصل إلى 244 مليار جنيه، وهو ما يفوق مخصصات الأجور لنحو 6.5 مليون عامل بالحكومة، تصل مخصصات أجورهم إلى 218 مليار جنيه، كما تفوق فوائد الديون مخصصات التعليم والصحة والاستثمارات العامة (التعليم 105 مليار جنيه، الصحة 48.7 مليار جنيه، والاستثمار 75 مليار جنيه)

ومن خلال الاطلاع على الإصدارات الحكومية، وبخاصة البيان المالي للموازنة العامة للدولة لسنوات عدة، لا نجد برنامجًا للحكومة يستهدف سداد الدين العام، أو النزول به إلى ما دون نسبة 60% من الناتج المحلي الإجمالي.

إن ما يرد في مستهدفات الموازنة بتخفيض نسبة الدين العام، ليس برنامجًا يعكس التزامًا زمنيًا يمكن محاسبة الحكومة عليها، ومطالبتها بآليات التنفيذ، ولكن ما يعرض في البيان المالي للموازنة كل عام هو مجرد أماني.

إن ما تقوم به الحكومة المصرية كإجراء روتيني تجاه عملية الدين العام، وبخاصة ما يتعلق بالدين المحلي الذي يشكل النسبة الأكبر من الدين العام، هو أنها تجري ما يسمى باستهلاك الديون القديمة، من خلال اصدار سندات جديدة، لتسد الديون القديمة بجزء من الديون الجديدة، وتستمر دوامة المدوينة.

ومما يؤكد ما ذهبنا إليه، أن الحكومات المصرية المتعاقبة لا تكف عن استهدافها تخفيض نسبة الدين العام للناتج المجلي الإجمالي، ومع ذلك يثبت الواقع الفعلي وجود تزاد مستمر في قيمته، وتكلفته التي أصبحت عبء على الموازنة، وخصمًا من تحسين أداء المرافق والموسسات الحكومية.

إن تقديرات الدين العام (المحلي + الخارجي) في يونيو 2015 تكون بحدود 2.5 تريليون جنيه مصري، وتشير تقديرات الموازنة العامة للعام المالي 2015/2016 إلى وصول الدين العام بنهاية يونيو 2016 إلى 2.55 تريليون جنيه، وبما يعادل نسبة 90% من الناتج المحلي الإجمالي.

  • الدين المحلي

تشير بيانات البنك المركزي إلى أن رصيد الدين العام المحلي بنهاية عام 2014، أي بعد عام من الانقلاب العسكر بلغ 1.83 مليار جنيه، بزيادة قدرها نحو 300 مليار جنيه عما كان عليه في نهاية يونيو 2013، أما في يونيو 2015، فإن رصيد الدين المحلي وصل إلى 2.1 تريليون جنيه، وبذلك يكون الفارق في حجم الدين المحلي عما كان عليه في نهاية يونيو 2013، قد بلغ تريليون جنيه.

  • الدين الخارجي

تظهر بيانات البنك المركزي بأن الدين الخارجي بلغ في يونيو 2013، نحو 43.2 مليار دولار، وبعد مرور عام بلغ 46 مليار دولار بنهاية يونيو 2014، أي أن الدين العام الخارجي زاد بعد مرور عام من الانقلاب بنسبة 6.4%، أما مع نهاية يونيو 2015، فوصل الدين الخارجي إلى 48 مليار دولار، وبذلك تكون نسبة زيادة الدين العام في يونيو 2015 مقارنة بما كان عليه في يونيو 2013 وصلت إلى 11%.

ولكن الأرقام في صورتها المطلقه كما يقولون تعكس الواقع ولا تعكس الحقائق، حيث إنه مع مساعدات خارجية قدرت من قبل الحكومة المصرية بعد الانقلاب قد بلغت 40 مليار دولار، وجدنا أن الدين الخارجي يزيد بنحو 4.8 مليار دولار، وهو ما يعني أن هناك أزمة تمويلية حادة في الاقتصاد المصري، وأن هناك خلال في التعاملات الخارجية لمصر مع العالم.

الأمر الثاني، وهو أن هبوط قيمة الدين الخارجي في نهاية الربع الأول من عام 2015/2016، إلى 46.1 مليار دولار، لم يكن خيارًا ذاتيًا للحكومة، أو أنها تمتلك برنامجًا تستهدف فيه خفض الدين الخارجي، إذ أن نسبتها إلى الناتج المحلي الإجمالي لا زالت في حدود آمنة، حتى بعد أن وصل إلى 46.1 مليار دولار في نهاية سبتمبر 2015، إذ كانت نسبته إلى الناتج بحدود 13%.

ويرجع انخفاض قيمة الدين الخارجي بمصر خلال عام 2015 إلى سداد التزامات مصر مع السندات القطرية وكذلك الودائع المستحقة لها خلال نفس العام، وبالتالي لم يكن انخفاض الدين يعود لرغبة الحكومة المصرية، وإلا لو كان ذلك هذا هدفًا لنصراف اهتمام الحكومة إلى الدين المعضلة، وهو الدين المحلي، الذي نجد أن تصرف الحكومة تجاه هو تجاهل كل المخاطر المترتبة على زيادته، وتقوم اسبوعيًا باقتراض يتراوح ما بين 5 – 7 مليارات دولار.

ولابد من الأخذ في الاعتبار أن الحكومة عمدت خلال عامي 2014 و2015 إلى تحويل مديونية الشركات الأجنبية للنفط إلى بنوك محلية وإقليمية، مما يعني أن ما تم هو مجرد تحويل للديون وليس سدادًا لها. كما اتجهت الحكومة ايضًا للحصول على قروض عبر الهيئات الاقتصادية والشركات القابضة، وهو ما تم الهيئة العامة لقناة السويس والتي اقترضت عبر البنوك المحلية نحو 1.5 مليار دولار، كما اقترضت الشركة القابضة للكهرباء نحو 350 مليون دولار، والهيئة العامة للبترول نحو 3.5 مليار دولار، كل ذلك تم عبر ترتيب حصول هذه الهيئات والشركة القابضة على قروض من خلال بنوك محلية وإقليمية.

ومن آفة البيانات الاقتصادية الخاصة بالمؤسسات المصرية أنها تأتي متأخرة، فبيانات سبتمبر 2015، بلا شك لن تظهر ما تم من اقتراض حوالي 3.5 مليار دولار في الشهور الثلاثة الأخيرة من عام 2015.

ومما يؤذن يتوسع الحكومة في الدين العام، ما نشر على موقع البنك المركزي المصري بتاريخ 30 ديسمبر من وصول العجز بميزان المدفوعات عن الربع الأول من عام 2015/2016 إلى 3.7 مليار دولار.

وقد صرح في نفس التاريخ وزير التخطيط بأن مصر تفكر في مصادر متعددة للتمويل بما فيها الوصول لاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وهو ما يعني الحصول على المزيد من القروض، ولكن مع أعباء اقتصادية واجتماعية جديدة، يتحملها الفقراء ومحدودي الدخل.

رابعاً: زيادة المخاوف بشأن مستقبل الاقتصاد المصري

قام البنك المركزي المصري بطباعة 9 مليار جنيه في شهر سبتمبر 2015 – حسب بيانات النشرة الاقتصادية للبنك المركزي عن شهر نوفمبر 2015- وذلك في ظل ارتفاع معدلات الديون الداخلية والخارجية، وكذلك تراجع احتياطيات النقد الأجنبي، وهو ما يعني أن خلل السياسة الاقتصادية لا يتقتصر على جانب من الجوانب، ولكنه يضرب في أعماق كافة النشاط الاقتصادي.

وعادة ما تظهر العديد من عورات الحكومة الاقتصادية في شهر يوليو من كل عام، حيث تنتهي الحسابات الختامية الخاصة بالموازنة، وتحتاج الحكومة لسداد بعض التزاماتها، وعلى ما يبدو أن الحكومة وجدت أن قروضها من الجهاز المصرفي تجاوزت الحد المسموح به خلال هذه السنة، فلجأت إلى زيادة الكميات المطبوعة من النقد، غير عابئة بما سيترتب على ذلك من مضار وخسائر اقتصادية.

وقيام الحكومة بطباعة النقود ليس قاصرًا على سبتمبر 2015، ولكنها سياسة متبعة، منذ سنوات، ويمكن رصد ما تم طباعته خلال فترة الانقلاب االعسكري، من واقع بيانات البنك المركزي المصري، حيث تشير بينات النشرة الاقتصادية لشهر سبتمبر أن ما تم طباعته خلال الفترة من يوليو 2013 وحتى سبتمبر 2015 بلغ 67 مليار جنيه.

وقد لا يدرك صاحب الدخل المحدود أو أصحاب الدخول الثابتة من موظفي الحكومة والقطاع الخاص، ماذا يعني طباعة 9 مليار جنيه في شهر، غير أنهم سيكتون بارتفاع الأسعار نتيجة ارتفاع معدلات التضخم، التي ستظهر أثاره نتيجة طباعة النقود بعد دورة مدتها 6 أشهر.

ولكن سيدرجهم خطر آخر نتيجة انخفاض قيمة الجنيه، في أجل أقل من 6 أشهر، والمفترض أن يكون في حدود 3 أشهر نظرًا لطبيعة الدورة التجارية التي تعتمد على الاستيراد، ولكن الواقع المصري في ظل غياب رقابة الحكومة على الأسواق، وانشغال الأجهزة الرقابية والأمنية بالنواحي السياسية، فسوف يستغل التجار هذه الأجواء، وسيكتوي الفقراء بنيران التضخم الناتج عن تراجع قيمة الجنيه خلال أيام.

ولكن من سيدرك حقيقة التصرفات السلبية للحكومة على الصعيد الاقتصادي، هم أصحاب المدخرات بالبنوك، حيث سيتبين لهم أن ثرواتهم تنهار في ظل طباعة النقود، ومن جانب آخر ارتفاع معدلات التضخم بمعدلات تفوق سعر الفائدة الذي يجنونه على مدخراتهم.

  • فاتورة الواردات المفتوحة

أكد وزير المالية خلال الأيام الماضية على أن فاتورة الواردات خلال العام المالي 2014/2015 بلغت 81 مليار دولار، شاملة الواردات السلعية والخدمية، وأنها تزيد بنحو 20 مليار دولار عن العام السابق، وهو ما أكده مؤخرًا محافظ البنك المركزي، في سياق تبريره لانهيار احتياطي النقد الأجنبي، وانخفاض قيمة الجنيه المصري.

وبذلك نجد أن فاتورة الواردات تضاعفت بالضبط مقارنة بما كانت عليه في عام 2009/2010، حيث كانت الواردات المصرية بحدود 40 مليار دولار.  وحتى المبررات التي تساق من قبل بعض الاقتصاديين أو المسئولين الحكوميين لارتفاع قيمة الواردات غير مقبولة، من كونها مستلزمات إنتاج، وعدد وآلات، فالخلل في هيكل الواردات ليس وليس التو واللحظة ولكنه معروف منذ عقود، وكان ينبغي أن يستدرك هذا الأمر من خلال استراتيجية لعلاجه، لا أن يترك الأمر على مصراعيه.

وكثيرًا ما رُوج لزيادة فاتورة الواردات، وبخاصة في السلع الترفيهية والكمالية، بأنها من مستلزمات العمل بقطاع السياحة، ولكن للأسف فالسياحة أصيبت في مقتل على مدار السنوات الخمس الماضية، ومع ذلك لم يتوقف أو يقل استيراد هذه السلع الاستفزازية.

فبلا شك لدى مصر موارد اقتصادية يمكنها أن تسد جزءًا من فجوة الواردات، أبسطها التفريط في محصول القطن، وتصدير الإنتاج في شكل مواد خام، في حين أن المغازل المصرية للقطاعين العام والخاص، تتوقف عن العمل لعدم توفير الأقطان، أو تعتمد على استيراده من الخارج، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، فهناك عشرات بل مئات من السلع التي يمكن إنتاجها كسلعة وسيطة أو نهائية من خلال الموارد المحلية، ولكن أصحاب المصالح، وثقافة الاستسهال يعتمدون على الاستيراد ولا يريدون أن يتعبوا أنفسهم في بناء الاقتصاد المصري بشكل صحيح يمكنها من زيادة مساحة الاعتماد على الذات في مشروع للتنمية.

  • شماعة المساعدات

من المعلوم في تجارب التنمية أن المساعدات والمنح لا يمكن أن تكون عماد مشروع للتنمية، ولكنها تأتي لتساعد في أوقات محددة، وبخاصة في لحظات البناء الأولى، أو لحظات الانطلاق، بينما توظف الموارد المحلية بشكل رئيس لبناء نماذج التنمية الناجحة.

وللأسف فإن تصريحات المسئولين ومروجي الانقلاب من الاقتصاديين، كثيرًا ما هللوا للدعم من دول الخليج الداعمة للانقلاب، وصوروا للرأي العام أن هذا الدعم بدأ ليستمر، وأنه لن يقتصر على تلك المليارات في صورة الدعم النقدي أو النفطي، ولكن الغيث سيأتي عبر الاستثمارات المباشرة من تلك الدول.

ولم يكلف هؤلاء أنفسهم عناء قراءاة أداء دول الخليج تجاه مصر على مدار العقود الماضية في الاستثمار، سواء من حيث قيمته أو نوعيته، فهي في الغالب استثمارات محدودة كنسبة من الاستثمارات الأجنبية بمصر، فضلًا عن أنها في أنشطة ريعية في الغالب بقطاعات السياحة والعقارات، ومؤخرًا في الخدمات المالية، ومحاولة بعض الشركات السعودية والإماراتية الاستحواذ على سوق بعض السلع الغذائية بمصر. 

وبعد أن ألمت أزمة انهيار أسعار النفط بدول الخليج، وقل الدعم المقدم من تلك الدول لمصر، بدأ المسئولون المصريون يتحدثون عن دور تراجع الدعم الخليجي في انخفاض احتياطي النقد الأجنبي، أو استمرار الركود الاقتصادي، أو استخدام تراجع هذا الدعم كتكأة للاقتراض من الخارج، بنسبة فائدة هي الأعلى في الأسواق العالمية، حيث اقترضت مصر عبر السندات التي طرحتها في السوق الدولية في يوليو 2015 بنسبة فائدة 6.25%، لقرض بلغت قيمته 1.5 مليار دولار.

فبدلًا من أن يقدم المسئولون المصريون كشف حساب للشعب عن الحجم الحقيقي من الدعم الخليجي، وكيف تم التصرف فيه، تم التغاضي عن هذا، وبدأت الشكوى من توقفه أو تراجعه!

  • المستقبل المنتظر

لا توجد بوادر يمكن من خلالها تبني سيناريو أو احتمالات للتفاؤل بشأن الاقتصاد المصري، وبخاصة في ظل غياب آليات للمساءلة، أو اعتماد مبدأ الشفافية في عمل الحكومات بعد الانقلاب العسكري.

وبخاصة أن السياسات المعلنة من قبل المسئولين الحكوميين، هي اتباع أجندة المؤسسات الدولية، والتعامل مع الاقتصاد المصري على أنه في أوضاع طبيعية، وأنه قادر على المنافسة، في حين أن حقيقية الأمر أن الاقتصاد يمر بأسوأ مراحل الأداء.

وبدلًا من أن تستفيد الحكومة من ثغرات وفرص في اتفاقية منظمة التجارة العالمية، وتقليل الواردات، إعمالًا لاتفاقية الوقاية من الواردات، والتي تعطي الحق في استخدام نظام الحصص لفترة زمنية معينة، إذا ما زاد معدل الاستيراد عن متوسط آخر ثلاث سنوات. تفكر الحكومة في رفع معدلات الجمارك، وهي تعلم أن نظامها الجمركي يعاني من فساد كبير، وتتضرر منه صناعات مثل الملابس الجاهرة والمنسوجات والدواء، عبر البضاعة المهربة والتي يتم استيرادها من الخارج ولا يدفع عنها ضرائب.

ثمة توقعات بشأن المؤشرات الاقتصادية الكلية لمصر، تنبأ بأن القادم أسوأ، وستكون له تبعاته السلبية على زيادة معدلات الفقر والبطالة والتضخم، وباقي المؤشرات الاقتصادية الأخرى.

خامساً: تقنين الفساد

عمدالإنقلاب العسكري منذ قيامه على إصدار العديد من التشريعات الاقتصادية التي تقنن للفساد وتهدر ثروات البلاد، وفي مقدمتها القرار بقانون الذي صدر في نوفمبر 2013  من الرئيس الإنقلابي عدلي منصور بالسماح للحكومة بالتخلي عن المناقصات وإسناد المشروعات لأي شركة في الحالات العاجلة، وهو ما ساهم بصورة ملحوظة في عسكرة الاقتصاد واستيلاء العسكر على جل المشروعات ومزاحمة القطاع الخاص وتصفية العديد من الشركات.

كما أصدر عدلي منصور في إبريل 2014  قرارًا بقانون آخر لتقنين الفساد وذلك  بحظر الطعن من طرف ثالث على العقود التي تبرمها الحكومة مع أي طرف، مصريًّا كان أو أجنبيًّا، وسواء أكانت تلك العقود متعلقة بالخصخصة أو ببيع أراضي الدولة أو تخصيص العقارات أو أعمال المقاولات أو غير ذلك.

كما قام الإنقلابي عبد الفتاح السيسي بعد توليه الرئاسة بإصدار مئات القرارات الجمهورية بقوانين، ومنها العديد من القوانين الاقتصادية، ففي 12/3/2014م (قبل انعقاد المؤتمر الاقتصادي بيوم واحد) قام بتعديل بعض أحكام قانون ضمانات وحوافز الاستثمار رقم 8 لسنة 1997، وقانون الضريبة على الدخل الصادر بالقانون رقم 91 لسنة 2005، وقانون الضريبة العامة على المبيعات الصادر بالقانون رقم 11 لسنة 1991، وقانون شركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسئولية المحدودة الصادر بالقانون رقم 159 لسنة 1981متخذا من الاستثمار الأجنبي غاية لا هدفا والتفريط في الموارد منهجا.

حيث منحت تلك التعديلات لغير المصريين الحق فى تملك الأراضى والعقارات بل وبالمجان أيضا، وسمحت للمستثمر الأجنبي بالدخول والخروج دون قيود بصورة قد تضيع معها حقوق الأطراف المرتبطة به وفي مقدمتها القوى العاملة، وأقرت انتفاء المساءلة الجنائية للمستثمرين وتابعيهم، وسمحت لمجلس الوزراء بمنح مميزات للشركات كثيفة الاستخدام للعمالة تتضمن الحصول على الطاقة بأسعار مخفضة وتحميل الدولة جزءا من تكاليف تدريب العاملين وتكاليف حصة العامل ورب العمل فى التأمينات لمدة محددة. كما نصت على تخفيض ضرائب المبيعات على الآلات والمعدات وإعادتها للمستثمرين مع تقديم أول إقرار ضريبي.

وفي أول يوليو 2014 أصدر السيسي قرارا بقانون بتعديل بعض أحكام قانون الضريبة على الدخل  بمقتضاه تم فرض ضريبة بنسبة 10% على الأرباح الرأسمالية والتوزيعات النقدية بالبورصة، ومع ضغوط مافيا رجال الأعمال تراجع السيسي عن قراره وقام بتأجيل ضريبة الارباح الرأسمالية لمدة عامين مع استمرار ضريبة التوزيعات النقدية.

وفي يوليو2014 –أيضا- أصدر السيسي قرارا بقانون يحدد الحد الأقصي لأجور العاملين بالحكومة والقطاع العام بمبلغ  42 ألف جنيه شهريا، وهو ما يمثل 35 ضعفا من الحد الأدنى البالغ 1200 جنيه، وقد فرغ القانون من مضمونه بعد استثناء القضاء والشرطة والبنوك من الحد الأقصى وفي الوقت نفسه بات الحد الأدنى للأجور نسيا منسيا.

وفي يوليو 2015 أصدر السيسي قرارا بقانون تنظيم الكهرباء رقم 87 لسنة  2015 ، الذي حصر دور الدولة في جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك كهيئة عامة مستقلة عن أطراف مرفق الكهرباء، تكون لها لشخصية الاعتبارية. وأشار القانون إلى أن الجهاز يهدف إلي تنظيم ومراقبة ومتابعة وتطوير كل ما يتعلق بنشاط الكهرباء إنتاجا ونقلا وتوزيعا واستهلاكا، وإلى جذب وتشجيع الاستثمار في هذا المجال في إطار المنافسة الحرة المشروعة.

وهذا يعني رفع يد الدولة عن الإدارة المباشرة لقطاع الكهرباء ، وفتح الباب على مصراعيه لخصخصته، ومن ثم مزيد من بيع المواطنين للمستثمرين.  وفي هذا الإطار أيضا وتأكيدا لتلك السياسة الإنقلابية أصدر السيسي قرارا بقانون بتعديل بعض أحكام القانون رقم 102 لسنة 1986، بإنشاء هيئة تنمية واستخدام الطاقة الجديدة والمُتجددة بهدف تمكين الهيئة – بعد موافقة وزير الكهرباء والطاقة المتجددة – من إنشاء شركات مساهمة بمفردها أو مع شركاء آخرين لجذب المستثمرين للدخول مع الهيئة فى مشروعات مشتركة لتشجيع إنتاج وبيع الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة .

ونحو مزيد من عسكرة الاقتصاد ومزاحمة القطاع الخاص التي باتت عنوان المرحلة بامتياز  أصدر السيسي في شهر يوليو 2015 قرارا بقانون يُجيز لوزارتي الدفاع والداخلية والأجهزة التابعة لهما والمخابرات العامة تأسيس شركات حراسة المنشآت ونقل الأموال. وهو الأمر الذي يخرج الجيش والشرطة عن مهامهما الرئيسة من دفاع وأمن إلى عالم القطاع الخاص وتقديم تلك الخدمات بهدف الربحية وهو ماينذر بتحويل الجيش والشرطة إلى وحدات من المرتزقة تحت اسم شركات الحراسة الخاصة.

وفي يوليو2015 –أيضا- أصدر السيسي قرارا بقانون بالسماح لهيئة قناة السويس سلطة تأسيس شركات مساهمة، بمفردها ويسري على هذه الشركات قانون شركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسؤولية المحدودة وذلك بما ﻻ يتعارض مع طبيعتها، ويكون للجمعيات العمومية للشركات إصدار اللوائح المالية والإدارية العاملين بها بعد موافقة مجلس إدارة هيئة قناة السويس دون التقييد بأحكام قانون نظام العاملين بالقطاع العام، وذلك دون الإخلال بأي مزايا يتمتع بها العاملون بهذه الشركات، ويجوز تداول أسهم هذه الشركات بمجرد تأسيسها بعد موافقة مجلس الوزراء . وبذلك فتح هذا القانون الباب لبيع منطقة القناة للأجانب من خلال تداول أسهم تلك الشركات وشراء الأجانب لها.

بل وصل الأمر إلى السماح للقوات المسلحة بتأسيس وإنشاء شركات بمفردها أو بالمشاركة مع رأس المال الوطني أو الأجنبي، وهو الأمر الذي يخرج القوات المسلحة عن دورها في حماية الحدود ويطرد ما تبقي من القطاع الخاص بل ويحل محل قطاع الأعمال العام. حيث أصدر السيسي في ديسمبر 2015 قرارا بقانون رقم 446 لسنة 2015، بأن يتولى جهاز القوات المسلحة تجهيز مدن ومناطق عسكرية بديلة للمناطق التي يتم إخلاؤها، والقيام بجميع الخدمات والأنشطة التي من شأنها تنمية موارد جهاز القوات المسلحة، وله في سبيل ذلك تأسيس الشركات بكافة صورها، سواء بمفرده أو بالمشاركة مع رأس المال الوطني أو الأجنبي.

وإذا كان طنطاوي إبان رئاسته للمجلس العسكري حرص على حماية فساد العسكر من خلال تعديل قانون القضاء العسكري في مايو 2011، بإضافة مادّة تعطيا لنيابة والقضاة العسكرين وحدهم الحق في التحقيق في الكسب غير المشروع لضباط الجيش، حتى لو بدأ التحقيق بعد تقاعدالضابط وتحوله للحياة المدنية فإن السيسي فتح الباب علي مصراعيه للفساد من خلال القرار بقانون رقم 97 لسنة 2015 في أغسطس 2015م بتعديل بعضاحكام القانون رقم 62 لسنة 1975 فى شأن الكسب غيرالمشروع والذي أتاح التصالح مع الفاسدين بردما تحصلوا عليه من كسب غير مشروع فى أية صورة كان عليها فى مرحلة التحقيق، مع إنقضاء الدعوى الجنائية والتدابير التحفظية الناشئة عن أمر المنع .

ولم تقتصر الامتيازات لأعمدة الإنقلاب الجيش والشرطة والقضاء على ذلك بل امتدت القرارات بقوانين لزيادة مرتباتهم ومعاشاتهم ، بل والإعفاء الضريبي حيث أصدر السيسي في شهر أغسطس 2014م قرار بقانون بتعديل قانون الضريبة العقارية بمقتضاها أعفي من الضريبة أندية وفنادق القوات المسلحة ودور الأسلحة والمجمعات والمراكز الطبية والمستشفيات والعيادات العسكرية والعقارات المبنية في نطاقها وغيرها من الوحدات التي يصدر بتحديدها قرار من وزير الدفاع بالاتفاق مع الوزير المختص، واستثناها من الخضوع لأعمال لجان الحصر والتقدير باسم مقتضيات شؤون الدفاع ومتطلبات الأمن القومي رغم اعتراض قسم التشريع بمجلس الدولة على ذلك.  وبمقتضي ذلك أصدر صدقي صبحي وزير الدفاع والإنتاج الحربي القراررقم 68 لسنة 2015، في 3 يونيه 2015م بإعفاء 574 منشأة للجيش من الضريبةالعقارية منها:52 ناديا، و29 فندقا، و18 مصيفا، و8 دور سينما ومسارح، وعدد من دور القوات المسلحة، والساحات وفروع السوبر ماركت والمجازر الآلية، وكذلك العمارات والشقق والفيلات.

كما تم استثناء سبع هيئات تابعة للقوات المسلحة والشرطة رغم نشاطها المدني والربحي من الالتزام بقانون ربط الموازنة الذى أصدره السيسي في مطلع يوليو 2015م الذي يفرض عليها توريد نسبة 25% من فوائضها المُرحلة لصالح الموازنةالعامة، حيث صدر قرار رئيس الوزراء في الأول من أكتوبر2015 باستثناء : جهاز الخدمات العامة بوزارة الدفاع، وصندوق مشروعات الأراضي بوزارة الداخلية، وصندوق تمويل المتاحف العسكرية، وجهاز مشروعات الخدمات الوطنية، وجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة، وصندوق إسكان أفراد القوات المسلحة، وجهاز الصناعات والخدمات البحرية.

أعلى